السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠١

إنَّ الجامد يقوم بكل ما يعوق عن الحركة والتقدُّم: من بغض للعلم، وعرقلة الناهضين، وتخدير العقول؛ بزهده وتزمُّته وجمود فكره. فهو أعمى البصيرة، لا يلتفت حواليه ليرى الناس كيف تقدَّموا، وماذا حقَّقوا. والأدهى من كلِّ ذلك، أنَّ هذا الجامد لا يعرف أنَّ له رسالة في الحياة، وواجبًا في الوجود، لابدَّ من النهوض بهما. ماذا أبقى الشاعر لهذا الجامد حتى يكون إنساناً أو كائنا حيًّا، يحقِّق صفة الحياة في تكوينه؟ وماذا أبقى له ممَّا يربطه بالدين والعقيدة الإسلامية؟ فقد قطع كلَّ صلة تربطه بذلك.

أنَّها السخرية التي تهدف إلى سلب الشخص المسخور منه كلَّ خصائصه الإنسانية، فتتركه نخباً هواء؛ لذا يطلب الشاعر من الجامد الانعزال عن الدنيا، والعيش كالحيوان في جحر، يسكن فيه مع آرائه وأفكاره، يؤنسها وتؤنسه، ثم يَبْكيِ عليها؛ لأنه لا يجد من يتقبَّلها منه:

ألاَ قُل له فليتَّخذ فوق ربوةٍ … مغاراً كجُحرِ الضَّبِّ سجناً ومختفى

هنالِك تحتَ الصَّخرِ، ينحِتُ كهفَهُ … ويبكِي على أفكارِهِ متلهِّفًا

ويترُكُ ما من شأنِهِ أن يَضُرَّهُ … كرفع بلادٍ بعد ما كان صَفصَفًا(1)

الشاعر يطرد هذا الجامد من الحياة؛ لأنْ لا مكان ولا مقام لأفكاره – التي يعيش بها – فيها، إنَّها لا تتماشى مع الفطرة البشريَّة، ومع أدنى ما يطلبه العقل من التفكير والتدبير. فليلتمس لنفسه مكانا قصيًّا، ينحته كما ينحت الضبُّ جحره(2)؛ ليسلم من غمزات الناس ولمزاتهم وانتقاداتهم، التي ربما تسقطه، وتحطِّم ما بناه. فهناك يقبر أفكاره، أو يخفيها عن أنظار الناس؛ لأنَّها لو بقيت مكشوفة، ومتداولة

(1) م. ن. في البيت الأخير خطأ لغوي، إذ المفروض أن يقول كانت بدل كان صفصفاً. غير أن الوزن يختل.

(2) يعرف عن الضبِّ أنه يحفر جحره في الكُدى، وفي الروابي الصلبة حتى يُجنِّب بيته السقوط والانهيار والخراب، وقد تعوَّدت العرب النطق بهذه الجمل "ضبُّ الكُديَة، وضبُّ الكُدى" ولكثرة ما يجهد الضبُّ نفسه في النحت والحفر يقولون: "ضبٌّ دامي الأظافير". لمزيد من التفاصيل ينظر محمد البشير الإبراهيمي "رسالة الضبِّ"، كتابه "آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي" ج1، ط2 (ش. و. ن. ت)، الجزائر، سنة (1398هـ/1978م) ص:271، 272.

١٠١ / ٤٩٤