السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠٢

بينهم فإنَّها تنال من سمعته؛ بوصفه إنساناً له عقل يدبِّر، وفكر يميِّز بين الصالح وغير المفيد، يفترض أن يرشدانه إلى التصرُّف السليم، بينما هو ابتعد عن ذلك، واختار سلوكا مغايرًا. وتبلغ السخرية مداها حين يقول له الشاعر مشفقاً عليه - شفقة احتقار وإهانة- أترك ما يضرُّك، وهو رفع البلاد والنُّهوض بها، لأنَّ مثل هذا العمل يتطلَّب منك الخروج عن جمودك، والتخلِّي عن سكونك ونبذ أفكارك البالية، وأنت لا تقوى على ذلك.

يريد الشاعر أن يصل - من كلِّ ما صوَّره- إلى نتيجة واحدة أساسية، وهي أنَّ الجمود الفكري هو سبب كلِّ بلاء، وعلَّة كلِّ داء، وهو رأس كلِّ انحراف عن الدين والملَّة السمحاء؛ لذا يجب القضاء عليه.

نصُّ رمضان حمود – في عمومه - يكشف عن المعاناة التي كان يلاقيها المجدِّدون في مسيرتهم؛ إذ كلِّ ما يقومون به من إصلاح، وكلِّ ما ينزلون به من جديد إلى الميدان يعدُّه الجامدون بدعة ومسخاً وتشويهاً للأصول، حتىَّ ولو كان ممَّا يفيد المجتمع، ويخدم الدين، يكفي حجَّة على بطلانه وبدعيَّته أنَّ الآباء والأجداد لم يعرفوه، وأنَّ النصوص الشرعية لم تنصَّ عليه صراحة. في هذا السلوك انحراف عن الدين وظلم له؛ لأنَّ ذلك يصمه بالتخلُّف والتقوقع …

إنَّ الجمود الفكري قد أورى زناد المعارك بين المجدِّدين والجامدين، وانتقل من مجال الأفكار ونصرة الاتِّجاه ومؤازرة الحزب إلى مجال الصراع العنيف، وتحوَّل إلى كيل الشتائم، وتلفيق الاتِّهامات(1).

من هذه النصوص وغيرها ندرك درجة الضجر والقلق اللذين أصابا المصلحين والمجدِّدين الذين حاولوا أن يسيروا في درب التطوُّر، في سبيل نهضة شاملة، بينما قبع لهم خصومهم الجامدون في الطريق، يعرقلون كلَّ خطوة،

(1) بعض هذه المعاني تضمَّنتها قصيدة محمد السعيد الزاهري "ضقت ذرعاً … "، ينظر سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين، دار الكتب، الجزائر، سنة 1982م، ص: 267، 268.

١٠٢ / ٤٩٤