السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢١في الموضوع نفسه، وفي تقرير الفكرة ذاتها كتب "السعدي حكَّار"(1) مقالاً قارن فيه بين البشر والحيوانات بطريقة ساخرة معرِّضة، أنهاه بقوله: " … قارنت وقدَّرت، ثم راجعت تلك المقارنة وذلك التقدير، وانتهيت في آخر الأمر إلى حقيقة مرَّة كالعلقم، مخجلة كالنفاق، وهي أنَّ حيوانات السيرك أحسن منَّا تربية، وأكثر منَّا أدبًا وأطهر منَّا سيرة"(2).
السخرية تبدو في الأسلوب الذي قدَّم به الكاتب فكرته، المعتمد على المقارنة بين الحيوان والإنسان، ثم تفضيل الحيوان عليه. والمستند إلى حركة لافتة للنظر في فحص حقيقة الإنسان، التقدير ثم المقارنة ثم مراجعتها، ثم إعادة النظر في التقدير، كلِّ ذلك كان بسبب الدهشة التي أصابت الكاتب؛ نتيجة تصرُّفات الإنسان البعيدة عن مستواه ومكانته؛ بوصفه صاحب عقل يدرك ويعي ويميِّز.
الأشخاص المنحرفون الذين يسيرون في ركاب الاستعمار، ويتخلَّون عن مبادئهم، لا يقدمون على هذه السبيل إلاَّ بدافع الحصول على السيادة، أو لغرض ملء البطون. يقرِّر "الحفناوي هالي"(3) هذه الفكرة ويقدِّم بها الشخصيات الحكومية، التي انحرفت عن سواء السبيل؛ إذ كانت متقاعسة عن أداء واجبها نحو أبناء ملَّتها، وبني جلدتها. لم يمنعهم من أداء ما عليهم إلاَّ كونهم حكوميِّين، والحكومي يجب أن يتجنَّب السير في هذه السبيل، ويحجم عن تقديم الخدمات لمواطنيه، هذا ما لُقِّنَه كما يقرِّر الحفناوي هالي تعريضاً وتهكماً. بهذه النظرة يَعْرُضُ لطائفة من المثقَّفين الحكوميِّين، ويَعْرِضُ عليهم سؤالاً في غاية التهكم والسخرية والاحتقار ويُعرِّضُ قائلاً: " ورجال هذه الطبقة يرون أنَّهم غير مطالبين شرعاً بأيِّ واجب للوطن؛ بدعوى أنهَّم حكوميُّون، والحكوميُّ يجب أن يبتعد عن جميع
(1) أحد كتَّاب جريدة البصائر، وأحد المشرفين على جريدة الشعلة، خاصَّة ما يتعلَّق بالرسم الكاريكاتوري.
(2) السعدي حكَّار، "حقائق مُرَّة"، جريدة البصائر الثانية، ع: 219 (27/ 02/1953م).
(3) الحفناوي هالي (ت 1967م)، أديب وشاعر جزائري، واكب الحركة الإصلاحية، شارك في الصحافة الجزائرية بعدة مقالات، وكان التهكم من بين سمات كتابته، اشتغل في حقل التربية والتعليم، وعمل بعد الاستقلال في وزارة الأوقاف.