السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢٠الأخطبوط ذي الأرجل الكثيرة التي يصطاد بها الحيوانات البحرية الضعيفة، وامتلاك الشخص المنحرف وسائل كثيرة للعيث في الأرض فساداً وضرب الأمَّة والإضرار بها، ثم المقابلة بين أعمال المنحرف الشريرة وصفات الحيوانات التي أشار إليها في النص.
في الركن نفسه (مسامير الشعلة) نلتقي مع الصورة ذاتها، يقدِّم بها المسمِّرُ هذا النموذج من الناس المنحرفين، الذين يخدمون أسيادهم المستعمرين، ويضرُّون بإخوانهم. أنَّها صورة الحيوان المفترس، المسبِّب هلاكاً للإنسان. غير أنَّ السخرية هنا كانت ضعيفة فنياًّ؛ لأنَّها اعتمدت على الوصف المباشر العام، والشتم الذي يُبِين عن الغضب والانفعال والتذمُّر، أكثر من الاهتمام بالجانب الفنيِّ. لقد عجز الكاتب عن السموِّ بنصِّه إلى درجة السخرية الفنية الراقية. يبدو ذلك من خلال تكراره بعض الأوصاف، والاعتماد على سرد الكلمات، والالتجاء إلى أسلوب الثلب والتعيير والأسلوب المباشر المملِّ، المضرِّ بالتجربة الأدبية. وهو ما يبرز معاناة الكاتب في البحث عن إيجاد صيغ فنية ساخرة مناسبة لاحتدام مشاعره، ولفورة عواطفه. فهو قصد إلى السخرية، لكنِّه أخطأ طريقها(1).
ما لفت نظري أنَّ كثيراً ممَّن تناول بالسخرية الشخصيات المنحرفة عن سواء الفطرة البشرية بعامَّة، وعن الدين بخاصة، كانوا يركِّزون على مظاهر ادِّعاء العظمة، وتسنُّم الأماكن السامية - مع عدم الكفاية - أو أنَّ الناس هكذا يعتقدون فيهم، عن حسن نية أو عن سذاجة. كما كان الكتَّاب يبدون شفقتهم عليهم؛ بمحاولة إظهار ظلم الناس لهم بهذا المعتقد، وبهذه الأوصاف التي يخلعونها عليهم، وهم بذلك يزجُّون بهم في متاهات، أو يرمون بهم في المهاوي من حيث لا يشعرون. وهذه في الحقيقة هي شفقة سخرية، وليست شفقة رحمة وعطف. هذا الاتِّفاق في التناول والوصف يدلُّ على صدق مشاعر هؤلاء الكتَّاب، ويعبِّر عن واقعية ما سجَّلوه عن أولئك المنحرفين الخطيرين على الأمَّة والدين.
(1) ينظر "ثعلب بسكرة" (د. إ)، الشعلة ع: 7 (26/ 01/1950م). ينظر أيضاً الجريدة نفسها، ع: 38 (14/ 09/1950م).