السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٢٣

والمقوَّمات، وعملت على تلوين حياة المسلمين بألوان، وطبعتهم بطوابع تحمل على الإشفاق في كثير من الأحيان، نعرض بعضها:

ج - أدواء المسلمين:

كثرت العلل والأدواء التي أصابت المسلمين لعوامل كثيرة، هذه الأمراض كانت تنتظر الطبيب الذي يكشف عنها، ويقترح لها الدواء الناجع. وقد كان الأدباء الجزائريون ممَّن أسهم في إبراز بعض هذه العلل، مستعملين في ذلك أساليب مختلفة، من بينها أسلوب السخرية والتهكم، اللذين يكشفان عن حالات الشدة والعسر، وتفاقم الأوضاع في عالم المسلمين وحياتهم.

من بين عللهم التي أفرزتها الظروف العصيبة، التي مرُّوا بها الهجوم الشنيع والمخطَّط على أصالتهم، والتنكيل الشديد الذي لاقوه من خصوم الإسلام؛ ممَّا سبَّب - أحيانا - فقد عنصر الثبات على المبادئ، والمحافظة على الأصالة. تبيِّن الفقرة الآتية ذلك؛ إذ يظهر فيها صاحبها تحسُّره من هذا الداء. وقد وضَّح ذلك من خلال مقارنته بين الإنسان والجراد: الحيوان الضعيف، الذي أبدى مقاومة شديدة، رغم حملات الإبادة، التي شنَّها ضدَّه السكان؛ قصد القضاء عليه. فقد بقي صامدا، أو على الأقلِّ لم يمكن التخلُّص منه نهائيًّا. بينما الإنسان المالك لأسباب القوَّة والمناعة تعرَّض لحملات الإبادة والإفناء، فلم يستطع المقاومة، فنجح المتسبِّبون في ذلك في زحزحة بعض المسلمين - مثلا - عن مبادئهم، وتشكيك البعض الآخر في بعض قِيَمِهم، ففقدوا بذلك عنصر الثبات. وهو داءٌ كانت له عواقبُ وخيمة على المجتمع الإسلامي.

كتب "مغفَّل" تحت عنوان "مُنغِّصاتي" يقول: " ينغِّصني من الجراد الخبيث أن يثبت في مواقفه، ويصاول على حياته، ولم يزحزحه عن مبدئه كلَّ ما يلاقيه من التعذيب والتنكيل، ولا يقتدي به في الثبات والصبر والجلد كثيرٌ من بني الإنسان الجبناء في مواقفهم الحاسمة، التي هي حدٌّ فاصل بين الموت والحياة. فهل الجراد أذكى وأحذق وأعقل وأمهر من الإنسان"(1).

(1) مغفَّل (وهو أبو اليقظان) "البستان" ع: 7 (13/ 06/1933م).

١٢٣ / ٤٩٤