السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٦هذه نماذج من إسهام الأدب الجزائري الساخر في الاتّجاه الإسلامي. ومن خلالها نسجّل حضوره المكثّف والقويّ في الساحة الأدبية وفي معالجة قضايا كثيرة، وكان تناوله لها ينطلق من الواقع المعيش، ويتحلّى في أغلب الأحيان بالصدق في العرض والتحليل؛ ولهذا نحسّ فيه هذه المرارة وهذا الأسى العميق، اللذين صبغا كتابات الأدباء، لكن دون أن يصل إلى حدّ اليأس والقنوط والانطواء على النفس. بل نعثر فيه على سمات التفاؤل والأمل. الدليل على ذلك ما تتوفّر عليه أغلب النصوص من العرض الجاد والجرئ للقضايا، والاعتداد بالنفس في تبنّي الآراء، والكشف الصريح لخفايا المسائل مع محاولة زرع الثقة في القلوب، واستشراف المستقبل.
من هنا لحظنا أنّ السخرية تأتي ملفوفة بالحزن والأسى في المنطلق، لتحسيس المتلقّين بخبايا القضية وخطورتها، ومشعرة وموحية بالهدف المنشود منها، وما ينبغي أن يُعمَل في المنتهى، وبين البداية والنّهاية يكون التفاؤل مبثوثا بين السطور أو ملمّحاً إليه. يشعر به من يربط بين المبادئ والأهداف في خطّ مستقيم، يتنقّل عليه الأديب بسخريته الهادفة. من هنا كان التهكم مسخَّراً وموجّها، ولم يكن عفوياًّ. نلحظ ذلك في حرص الأدباء على صبغ إنتاجهم بالسخرية والتهكم والتفكّه بمختلف أساليبها. ولهذا تنوَّعت أنماط المعالجة، وتعدّدت طرق التناول، واختلفت ألوان السخرية وأشكالها وقيمتها، فتأرجحت بين القوّة والتوسّط والبساطة والضّعف، والوضوح والخفاء، لا تُكتَشَفُ إلّا بعد التأمّل والإمعان، وربطها بملابساتها وظروفها التي ترعرعت فيها. من هذه المنطلقات سمحنا لأنفسنا إدراج بعض النصوص ضمن ما يتَّصف بالسخرية، وهو ما قد يخالفني فيه البعض؛ لأنّني أحسست أنّ أصحابها كانوا حريصين وراغبين في السخرية، ولو لم يوفّقهم الحظّ أحياناً.
??