السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٥

هكذا شغلت قضية فلسطين فكر الشيخ البشير الإبراهيمي كثيراً، وأنبتت في قلبه جرحاً لم يندمل؛ لذا عالجها معالجة معمَّقة مفصَّلة، متتبِّعا أطوارها، مسجِّلاً تطوُّراتها بجزئيَّاتها ودقائقها. مستعملا في كلِّ ذلك أساليب متنوِّعة من المحاججة والاستعطاف والتعريض واللوم والسخرية، التي تكون هادئة أحياناً وحادَّة عنيفةً أحياناً أخرى. وهو القائل: "وجاءت نكبة فلسطين، فكانت في قلبي جرحاً على جرح، وكانت الطامَّة والصَّاخة معاً، وكانت مشغلة لفكري بأسبابها ومآسيها، وعواقبها القريبة والبعيدة، فلا تصوَّر لي الخواطر إلاَّ أشنع ما في تلك العواقب … رحبت إلى العيد الذي هو مثار أشجاني، فجرَّدت منه شخصاً أخاطبه وأناجيه، وأشكوه وأشكو إليه، وأسأله وأجيبه، وأبثُّه الشكاية من قومي غيظاً على القادرين، وتأنيباً للغادرين، حتى اجتمعت لي عن ذلك صحائف مدوَّنة، نشرت القليل منها على الناس، وطويت الكثير إلى حين … "(1).

مما يلحظ في تناول الإبراهيمي للقضية الفلسطينية النظرة الإسلامية، التي كان ينظر بها إلى المسألة. كان يضع كلَّ تحرُّكات العدوِّ واليهود والغرب في ميزان الإسلام، ويستنتج النتائج، ويقدِّر العواقب التي تحصل للإسلام والمسلمين، ثمَّ يناقشها ويفحصها على هذا الضَّوء. وكانت كلّ تصرّفات المسلمين في هذه المسألة يضعها في محكِّ المبادئ الإسلامية والرؤية الإسلامية، ثم يميِّز بعد ذلك ما للمسلمين في ذلك وما عليهم، فيمدح المسلمين أو يعاتبهم أو يغضب ويتهكم منهم حسب مواقفهم. وما يمكن تسجيله هو أنَّ الصور التي قدَّمها عن اليهود هي واحدة ومكرَّرة في كثير من النصوص. والملاحظة نفسها تنسحب على فلسطين وتعامل المسلمين معها، وكذا نظرة الغرب للقضية. حتى القاموس اللغوي يظلُّ - في معظمه- متشابهاً. هذا يندرج ضمن ظاهرة التكرار في أدب محمد البشير الإبراهيمي اللاَّفتة للنظر، وهي جديرة بالدراسة.

(1) م. س، ص: 162، 163.

١٤٥ / ٤٩٤