السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٩٠السخرية في "الروح" أقلُّ روعة وقيمة ومتعة من "الأمَّة والفرقان ووادي ميزاب"، بل تكون أحياناً ضعيفة ومُسِفُّة غارقة في أوحال السباب والشتم والبذاءة والوقاحة. ممَّا يسلب منها - في كثير من الأحيان- صفة الأدب، وأية قيمة فكرية.
جاء في مقال على لسان المصلحين مثلاً: " المدعي- إذا نظرت إلى الناس، وقارنت حالي بحالهم وجدتهم في هناءٍ، ووجدتني في شقاء دار بي فراشان (كذا) يلعبان بي لعب الصبيان بالدمى، فجنَّساني بجنسية الفراشية(1)، فها نحن ندور على مصباح (العزَّابة) والمشائخ، وأنَّه لا محالة في يوم ما نصير من الهالكين. ولئن شكوت إليكم يا إخواني المنافقين حالي، فلكي تعينوني في الرأي، وتحملوا معي هذا الحمل الثقيل … "(2).
لا شكَّ أنَّ التجنُّس بجنسية "الفراشية" يحمل معاني الحقارة والسفاهة؛ إذ أنَّ الفراشة تُنعت بالجهل والحمق؛ لأنَّها تلقي بنفسها إلى التهلكة بحومها حول الضوء والنُّور الذي يكون فيها موتها وفناؤها. ولا أدلَّ على ذلك من القول المأثور " أجهل من فراشة." كما أنَّ الصورة تعطينا -زيادة على السخرية من تصرُّفات أولئك المصلحين- فكرة عن قدرة الطرقيِّين على إفناء خصومهم، وتؤكد أنَّ النُّور الذي تحوم حوله فراشة المصلحين هو ضياؤهم، وهم يعدُّون أنفسهم أعلى قيمة وأحسن حالا وأفضل من خصومهم.
ممَّا لحظت أن الكتَّاب أو الأدباء كانوا يعمدون - في كثير من الأحيان- إلى استنطاق خصومهم؛ لينتزعوا منهم اعترافات بتصرُّفاتهم المشينة، وليشعروا العامة بإقرار هؤلاء بذنوبهم ومخازيهم، حتى ولو كان في ذلك تكلُّف ولجوء إلى الخيال؛ وذلك إمعاناً في السخرية وعمدا إلى إسقاط مشاعرهم وأفكارهم التي يؤمنون بها على هذه الاعترافات.
(1) هذه الصفة دارت كثيراً في كتابات بعض الذين تعرَّضوا للمصلحين، مندِّدين بأعمالهم. ينظر مثلاً جريدة الروح، ع: 6 (15/ 04/1938م).
(2) "هذيان المنافقين" (د. إ)، الروح، ع: 10 - 11، سنة 1938م.