السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢١٩

الفصل الثالث

قضايا سياسية

عاشت الجزائر وضعًا سياسيًّا صعبًا، نتيجة ممارسات استعمارية شرسة، وتوجيه صليبيٌّ حقود على الإسلام؛ إذ تبنَّى المستعمر في الجزائر كلَّ أساليب القمع والقهر والاستبداد، ومحاولات طمس الهوية الوطنية والإسلامية. فكلُّ تصريحات رجال الكنيسة والمبشِّرين والجنرالات في الأيَّام الأولى من احتلال الجزائر، كانت ترمي إلى القضاء على الهوية الإسلامية والانتماء العربي في الجزائر. فقد صرَّح أحد رجال الكنيسة قائلا: " ليس غرضنا من فتح المدارس في شمال إفريقيا أن نكوِّن عقولاً مثل عقول جان جاك روسو أو مونتسكيو أو فولتير، ولكن لنبدِّل لغة بلغة، وديناً بدين وعادات بعادات"(1). وقال "الكاردينال لافيجري": "علينا أن نخلِّص هذا الشعب ونحرِّره من قرآنه، وعلينا أن نُعنى على الأقلِّ بالأطفال لننشئهم على مبادئ غير التي شبَّ عليها أجدادُهم، فإنَّ واجب فرنسا تعليمهم الإنجيل أو طردهم إلى أقاصي الصحراء، بعيدين عن العالم المتحضِّر"(2).

هذان التصريحان يبرزان النِّية المبيَّتة من الاستعمار في القضاء على الأصالة الجزائرية، ويكشفان عن روح القهر والغدر والتسلُّط التي تسكن نفوس المستعمرين. وقد اتَّخذ هذا التوجُّه سبيل التوصية، وإصدار الأوامر لتنفيذ تلك المخطَّطات، وتجسيد تلك السياسة في الواقع، وتجنُّد كلِّ الجهات والفئات، التي من شأنها المساعدة على بلوغ الغاية. لهذا فإنَّنا نجد الجنرال "بيجو"(3) يقول للأب المسيحي (بريمو) وهو يقدِّم له ناشئة جزائرية ليُعنَى بها: "وليست القضية حضارة ومدنية، إنَّها الاستماتة في الوصول بهذا الشعب إلى حالة من العدم، تريح أعصاب

(1) صالح الخرفي، شعر المقاومة الجزائرية، (ش. و. ن. ت)، (د. ت) الجزائر، ص: 228.

(2) د. صالح الخرفي، المدخل إلى الأدب الجزائري الحديث (ش. و. ن. ت) الجزائر، سنة 1983م، ص: 49.

(3) أحد الجنرالات الذين حاربهم الأمير عبد القادر، وقد وقَّع معه الأمير إحدى معاهداته مع فرنسا.

٢١٩ / ٤٩٤