السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٢٠

الدخيل، وتبعد عنه أيَّ شعور بتوقُّع انتفاضة تقُضُّ مضجعه. حاول يا أبتِ أن تجعلهم مسيحيِّين، وإذا فعلت فلن يعودوا إلى دينهم ليطلقوا علينا النَّار"(1).

إنَّ الجهود إذن كلُّها منصبَّة لتحويل الجزائريِّين المسلمين عن وجهتهم الحقيقية، وقطعهم عن أصولهم، بل وإطفاء شعلة الوطنية فيهم، وقتل روح المقاومة والمطالبة بالحقوق في نفوسهم، ووأد مشاعرهم. لهذا كانت نداءات الوطنييِّن لعدم الاستسلام لهذه المخطَّطات، وعدم التراجع أمام هذه الضربات، كانت الدعوات في هذا المجال متكرِّرة عبر كلِّ الفترات والمراحل، التي مرَّ بها الكفاح الوطني، بل كانت تنادي بتحمُّل المسؤولية في إنقاذ الوطن وحماية الأمَّة، وإذكاء روح الإسلام والوطنية في نفوس الأبناء.

لقد أسهم الأدب الساخر في هذه التعبئة والتوعية، وتوضيح الرؤى، وتصحيح المفاهيم، وفضح بعض أساليب المراوغة والقمع والبطش، وكشف بعض مواقف الخذلان والخيانة … كلُّ هذه الإسهامات تندرج ضمن القضايا السياسية، التي عولجت بأسلوب التهكم والتعريض. نشير إلى بعضها فيما يأتي:

أ - حقيقة الوطنية:

من بين ما أثمره الأسلوب القمعي، الذي انتهجه الاستعمار في الجزائر، والسياسة التي تبنَّاها في توجيه الأمَّة، من بين ما أفرزه عدمُ وضوح الرؤية في أذهان بعض الشباب في كثير من القضايا الوطنية، وعدم تبيِّن الأصيل من الدخيل، وعدمُ وعي المصطلحات، وتمييز العمل الصالح من الطَّالح، وما هو وطنيٌّ وغير وطني. فكانت بعض الأعمال التي يُقدَمُ عليها باسم الوطنية هدماً وتقويضاً لأركان المجتمع.

في هذا الموضوع كتب أبو اليقظان يبيِّن ما هي الوطنية الحقَّة؛ بعد أن لاحظ أنَّ الناس يتغنَّون بها وهم خواء منها، يمجِّدون الوطنية ويتحرَّكون باسمها، ويعملون نقيض ما تدعو إليه. وإذ نعتوا –بسبب ذلك- وقيل لهم لستم وطنيِّين، ثاروا

(1) شعر المقاومة الجزائرية، ص: 71.

٢٢٠ / ٤٩٤