السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣١٨فبلادي لا تساوي … ضحكة الأسياد عنِّي
يعرف الأسياد أنِّي … خادم لهم وإنِّي …
إن رموك بالتقاصي … فحبوني بالتداني
خسة في النفس طبع … في هواها لا تلمني
لا تلمني يا صديقي … هكذا دوماً أغنِّي (1)
لجأ الكاتب إلى هذا الأسلوب، وتمثَّل حال بعض الناس الذين يتَّصفون بهذه الأخلاق الرذيلة، ليكشف عن مفارقات عجيبة تبرز من حين إلى حين في حياة البشر. لجأ الكاتب إلى ذلك الأسلوب؛ اتِّقاء لحساسية الناس، وتجنُّبًا لإثارة حفائظهم. وقد اختار أن ينبِّه إلى هذه المفارقات تنبيهًا لطيفًا فيه التورية والتلميح والتعريض. أي ابتعد عن المباشرة في التناول. إلاَّ أنَّ الأسلوب يؤلم ويترك أثره في النفس وفي الشخص المعني.
هذه هي السخرية عينها، إنَّها " تقوم على التورية والتعمية والإيلام غير المباشر، كالسهم المميت، الذي لا يظهر أثره إلاَّ بعد أن يكون قد تمكَّن من الرمية كلَّ تمكُّن من غير أن تفطن له في أوَّل الأمر"(1). وهذه الطريقة معروفة في الأدب. فمن بين الأدباء العرب المعاصرين، الذين نهجوا هذا الأسلوب "محمود بيرم التونسي"(2).
هذه نماذج من المفارقات في السلوك والتصرُّف التي اخترت لهَا عنوان أسلوب المفارقة؛ لأنَّنا أحسسنا أنَّ الأدباء كانوا حريصين على الضحك على بعض الهيئات والشخصيات والأفكار، والكشف عن التناقض في الحياة وتضخيم هذه التناقضات؛ بإعمال الخيال فيها أحيانًا. وقد أدرجناها ضمن أساليب السخرية؛ لأنَّها كانت مبنية على ما بنيت عليه طبيعة السخرية؛ من النَّيل من الشخص أو
(1) السخرية في الأدب العربي، ص: 196. بالروح نفسها ولتحقيق الغاية ذاتها، ينظر قصيدة "الصراع النفسي" لرمضان حمُّود، كتاب رمضان حمّود حياته وآثاره، ص: 192.
(2) ينظر "محمود بيرم التونسي" في منفاه … ص: 541.