السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣١٧يسافرون إلى أوروبا، فيتنكَّرون لأصولهم، ويندمجون في الجنسيَّات الأخرى. يكشف الكاتب عن هذه المفارقة بإجراء مقابلة بين صنيع موسى - عليه السلام - مع فرعون حين التقطه؛ وكفله وربَّاه منذ كان وليداً، وقد لبث في كنفه سنين، مع كلِّ ذلك كفر به، ولم يسر فيما سار فيه، وكان له سخنة عين، وبين صنيع أبناء المسلمين الذين التقطتهم أوروبا، فقد كانوا قرَّة عين لها، وسخنة عين لأوطانهم ودينهم؛ إذ تخلَّوا عن ملَّتهم، وساروا في ركاب الغرب: "إنَّ جلَّ أبنائنا الذين التقطتهم أوروبا لتعلِّمهم عكسوا آية فرعون مع موسى. ففرعون التقط موسى لينفعه ويتَّخذه ولداً، فكان موسى له عدوًّا وحزنًا وسخنة عين(1) أمَّا أبناؤنا فقد التقطتهم أوروبا وعلَّمتهم وربَّتهم، فكانوا عدوًّا لدينهم وحزنًا لأهله، وسخنة عين لأهلهم وأوطانهم إلاَّ قليلاً منهم دخل النَّار فما احترق، وغشي اللج فأمن الغرق"(2).(3)(4)
ومن النصوص الشعرية التي تبرز المفارقات في حياة الإنسان: التناقض بين ما يمليه العقل والمنطق والمبدأ وبين الممارسة في الميدان، ما كتبه أحمد رضا حوحو متقمِّصًا شخصية رجل يحكي عن حقيقته وعن سيرته التي هي كلُّها نفاق ورياء وخيانة للضمير والوطن. كتب الشاعر بأسلوب لا يخلو من الطرافة والضحك المبكي:
إن تسأل (3) في البِيُرو عَنيِّ … هكذا كنت أغني
"شيعة تُحلي صدري … هي قصدي، هي فنِّي
فرضا الأسياد عنِّي … ذاك غاية التمنِّي
أنا في الدوار سوط … كلُّهم يخشون منِّي
أنا في المجلس ذيل … أي ذيل أرقى منِّي (4)
(5)
(1) ينظر سورة القصص، الآيتان: 7، 8. وسورة الشعراء، الآيات: 17 - 20.
(2) آثار محمد البشير الإبراهيمي ج4، ص: 225. المقال بعنوان "داء المسلمين ودواؤهم". نشر في مجلَّة "المسلمون"، ع:9، س:3، ذو القعدة 1373هـ/يوليو 1954م.
(3) كان على الشاعر أن يقول "إن تسل" حتى يستقيم الوزن.
(4) في البيت كسر عروضي.
(5) أحمد رضا حوحو، "خادم لهم وإنِّي … "، جريدة الشعلة، ع:6 (19/ 01/1950م).