السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٨٩يفرغونها في هذا القالب أذهب لغيظ قلوبهم، وأشفى لتوتُّر أعصابهم من الأسلوب الخطابي العارم، الذي يُشعر بقيمة المخاطب، وأهمية المتكلَّم عنه … "(1).
سادسًا: من هذه العوامل أيضا الحساسية المرهفة واليقظة الكبيرة لدى بعض الأدباء، اللتان تجعلان حواسهم متفتِّحة لالتقاط كلِّ ما يعجُّ به الوسط من متناقضات ومفارقات، وعجائب وغرائب، وما في العالم من ابتذال، وما فيه من تصرُّفات غير مألوفة أيضا … يسلِّطون على الكلِّ نقدهم، بما يتوفَّر لديهم من روح مرحة. وبما يحملونه من نفوس منقبضة. فتتولَّد من ذلك السخرية والتهكم والتفكُّه، التي تنفِّس عن أنفسهم، وتروِّح عن قلوبهم.
سابعًا: استعداد الفنَّان والأديب المزاجي للسخرية والتهكُّم، وهو ما يجعل نفسه مهيَّأةً دائما للتعريض، لإشباع غريزة نفسية، وهي النَّيل من الأشخاص والهيئات، وإغاظة الناس والتشفِّي منهم. ومن هنا تكون السخرية عند البعض هدفا، والتفكُّه غاية. ويعود الاستعداد للتهكم عند البعض إلى أسباب وعوامل، قد يكون بعضها متمخِّضاً عن عقد نفسية أو مركَّب نقص … وهو ما يجعل هؤلاء الفنَّانين متعالين، مصابين بالغرور، وقد قال العقَّاد: " … فالعبث والغرور بابان من أبواب السخر، بل هما جماع أبوابه كافَّة"(2).
هذه بعض الأسباب والعوامل التي أسهمت في انتشار السخرية أو شيوعها في الأدب الجزائري الحديث، وهي كما نلحظ نابعة من طبيعة الأديب الحسَّاس اليقظ الشاعر بما يجري حوله، ومن حقيقة استعداد الفنَّان المزاجي للسخرية والتهكم سعيًا إلى التغيير والإصلاح. كما نسجِّل أنَّها - في عمومها - مرتبطة بالواقع المرير الصعب، الذي مرَّت به الجزائر إبَّان الاستعمار الفرنسي.
(1) المقالة الصحفية الجزائرية … مج2، ص: 190.
(2) السخرية في الأدب العربي، ص: 16. نقلا عن عبَّاس محمود العقَّاد. مطالعات في الكتب والحياة، المطبعة التجارية، سنة 1926، ص: 89.