السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٨٨مندوحة عن التصريح … ويلاحظ في هذا الصدد أن تكون الكتابة بشيء من روح النّكتة والفكاهة، ليخفَّ حملها على القرَّاء المثقلين بأعباء الخطوب والدواهي، فلا يكون أبو العجائب عليهم مع المصائب ضغثًا على أباله"(1).
خامسا: من الأسباب التي أدَّت إلى انتشار السخرية والتهكُّم في الأدب الجزائري محاولة التنفيس عن النفوس المجروحة والقلوب المكلومة، ومحاولة التخفيف من أعباء الحياة الثقيلة، ودفع السأم والملل اللذَين طبعا حياة بعض الأدباء، ومحاولة التخلُّص من المرارة والحسرة اللتين ملأتا جوانح الأدباء؛ إذ الحياة في الجزائر وفي الفترة التي خصصناها بالدراسة خيَّمت عليها الكآبة، وغلب عليها العبوس والانقباض، وسادتها علامات التجهُّم والتقطيب، وعلتها مسحات من اليأس والتذمُّر. فكان لابدَّ من وسيلة لامتصاص هذه الحالات وتخفيف وطأة هذه الأعباء، فكانت السخرية إحدى هذه المخفِّفات التي هي أداة دفاعية، يصطنعها الأديب – أحيانا – لمواجهة ما في حياته من شدَّة وقسوة وحرمان، ولتبديد هواجسه، التي تنتابه بسبب الفشل أو الفقر أو الشقاء بعامة. يقول الأستاذ فتحي أبو عيسى: إنَّ البلسم الشافي من هذه الآلام، ومن الأعباء الثقيلة "يكمن في فكاهة تزيل عن النفس كآبتها، وتجعلها تعيش لحظة تستروح فيها نسائم الحياة وأنفاسها العطرة"(2).
فالسخرية من هذا المنظور تساعد الساخرين، ومن يتعاطفون معه على تجديد روح المقاومة والصبر على متاعب الحياة وأعبائها، وتمنح فرصة التماسك أمام الأحداث، وعدم الاستسلام لضربات الزمن والعدوِّ، والتقليل من هيبته ومن قوَّته، التي تبدو وكأنَّها خارقة لا تقهر، وكأنَّه هو شبح لا يمكن الاقتراب إليه، ولا النَّيل منه. يقول الدكتور محمد ناصر "والذين يحسنون هذا النوع من السخرية كتَّاب مارسوا مهنة الصحافة طويلا، وعرفوا داخلية المستعمر، فكانت بعض الفقرات التي
(1) جريدة أبو العجائب، ع: 1 (24/ 05/1934م).
(2) الفكاهة في الأدب العربي، ص: 46. ينظر مفدي زكريَّاء شاعر النضال والثورة، ص: 66.