السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٩مقدمة
السخرية ظاهرة أدبية لا يخلو منها أدب أمَّة من الأمم، وقد نشأت مع الإنسان منذ أصبح قادراً على التمييز بين الأشياء، وتقدير العلاقات الإنسانيَّة، وحاذقا لملاحظة ما يجري في الكون، وما يحدث فيه من مفارقات وأشياء يعدُّها شذوذاً عن الفطرة البشريَّة تُقلِقه، وتُسبِّب له ألماً نفسيًّا، يرى نفسه مجبراً على التصدِّي لذلك الانحراف عن سوء الفطرة فينبري ليسخر منه.
من هنا يمكن عدّ السخرية والفكاهة مقياساً من مقاييس ذوق الأمّة وحضارته، ومعياراً من معاييرها في الحكم على الأشياء، والنظر إلى الأمور؛ إذ قد يستعين بهما الدارس في معرفة المقوّمات التي تحكم تلك الأمّة: ما تحترمه وتقدّسه وتدعو إليه، وما تنبذه وتنْفرُ منه وتحتقره، وتلحُّ على التخلّص منه، وإبعاده من الحياة العامّة. وعن طريق السخرية والفكاهة أيضاً يمكن أن نكشف كيفية معالجة أبناء الأمّة للقضايا، ونوع الاهتمام بشؤون الحياة في مختلف المجالات. وكثيرا ما تكون السخرية صدى للحالة السياسية والاجتماعية. وقد تنجح في تصوير هذه الحالة أكثر من الأدب العادي الجاد لأسباب وعوامل، إلى جانب ما يتوفَّر فيها من إيناس وإضحاك ومتعة وطرافة وتصوير بديع، تنشرح له النفس وتطمئن إليه؛ لأنَّه ينفّس عنها، ويترجم عن إحساساتها. لهذا وصفت السخرية بأنهّا ظاهرة طبيعية في حياة الأمم بعامّة والحياة الأدبية بخاصَّة.
الأدب الجزائري بدوره لم يخلُ من روح السخرية والفكاهة، وبخاصَّة الحديث منه، وقد صوَّرت تصويراً جيِّداً البيئة الأدبية، وما كان يدور فيها من صراعات ومنافسات، وما كان يشغل بال الأدباء، وعكست ما كان يستأثر باهتمام الجزائريِّين بعامَّة، وبخاصَّة من كان له احتكاك بالحياة اليومية والقضايا المصيرية للأمَّة كرجال الدين والسيَّاسة والاجتماع والثقافة.
وكانت السخرية الأدبية بارزة في المقالات والقصص والمقامات والشعر الفصيح منه والملحون، وكانت كتابات بعض الأدباء تكاد لا تخلو من سخرية في