السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٩٩عن النتائج السيئة التي أفرزها في الجانب الديني. فشاعر كرمضان حمُّود(1) - الذي نعرض نصًّا له نموذجًا للشِّعر في هذه النقطة - يقدِّم إلينا صورة كئيبة عمَّا يشعر به من تذمُّر نحو هؤلاء المتزمِّتين القاتلين لروح المبادرة في النفوس، والوائدين لكلِّ فكرة جديدة؛ بسبب ما انطوت عليه نفوسهم من كره للتطوُّر والتقدم.
يقدِّم إلينا هذه الصورة في قالب تهكُّميٍّ ساخر ملئ بالحركة والحيوية، وكأنَّه يقوم بعملية رصد لحركاتهم في قتل الجديد، وحصرلسلوكهم في وأد المبادرات، يصوّر هذه الحالة المزرية ويقول:
فمَن شاءَ أن يحياَ على الناس مُشرفاً … ومُنعزِلاً عنهُم، يُحبُّ التصوُّفاَ
يُقدِّمُ رِجلاً، ثُمَّ يُدبِرُ عَشرةً … وإن سَمعَ الأَقدامَ زادَ تَوَقُّفاَ
ويمضيِ على قتل الجديد من أصله … ويَرجع للقصر القديم وقد عفا(2)
فمن أراد الشرف والسؤدد، والرفعة يقدّمها له الناس، فما عليه إلاَّ أن يكون صوفيًّا منعزلاً عنهم، ومنزويًا يعيش على هامش الحياة، لا يخرج عن عزلته، ولا يقوم بأية حركة إلاَّ حين يخلو له الجوُّ، وينفسح له المجال وحده؛ لأنَّه لا يطيق العيش مع الناس، ولا يقوى على التحرُّك حين يفتقد السكون، فهو يشبه الخفَّاش الذي لا يسير إلاَّ في الظلام، ولا يتحرَّك إلاَّ حين تسكن الحركة.
في هذا الوصف مغمز وقدح في هذا المتصوِّف، الذي يختار هذه السيرة عسى الظلام يستر عيوبه وأفعاله. والشاعر يرمي إلى بيان أنَّ هذا السلوك انحراف عن الدين وخروجٌ عن جادَّة الإسلام؛ لأنَّه يكشف عن النفاق وروح الاحتكار
(1) رمضان حمود (1906 - 1929م) من دعاة التجديد في الأدب والاجتماع، صاحب آراء ثورية، وأفكار نقدية جريئة، شاعر وناقد، شارك في الصحافة الجزائرية بمقالات أدبية واجتماعية خاصَّة في جرائد: "الشهاب" "وادي ميزاب". لمزيد من التفاصيل ينظر محمد ناصر، رمضان حمود حياته وآثاره.
(2) د. محمد ناصر، "رمضان حمُّود حياته وآثاره" ط2، المؤسسة الوطنية للكتاب (الجزائر)، سنة (1405هـ/1985م)، ص: 201. القصيدة بعنوان "بين الجديد والقديم". نشرت في جريدة "الشهاب": 101 (16/ 06/1927م).