السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٩٨

والمناورة لتبرير سلوكه وتصرُّفاته، وهو ما جعل المجدِّدين خصوم الجامدين يكوِّنون صورة سيِّئة عن أولئك المتزمِّتين، تتمثَّل في النفاق. وكثيرًا ما يلجؤون إلى هذه الصورة لتفسير أعمال هذا الصنف من الناس. بهذا التصوُّر يقدِّم أبو اليقظان وصفاً لأحد أقطاب الجمود الفكري، الذي كان من مناوئي الحركة الإصلاحية، فيسخر منه، ويصمه بأنَّه قاصر عن القيام بدوره الحقيقي فيما يمليه عليه الجمود الفكري؛ لأنَّ هذا الدور يتطلَّب مميّزات خاصة، وخصائص معيَّنة، لا تتوفَّر في هذا الشخص: " … والذين يقولون إنَّ الشيخ حمو هو الآلة الوحيدة في الفساد، وقد حاز الرقم القياسي في النفاق، وأنَّه الذي انتهت إليه بطولة الجمود والركود، وأنَّه المركز الرئيسي لكلِّ حركة ضدَّ الإصلاح، الخ … غلطوا والله فيك أيضًا؛ لأنَّ هذه الأوصاف تحتاج إلى دهاء عميق وذكاء وقَّاد، وعلم بالسياسة بعيد، وحِيَل وخديعة، ومكر وسوابق ولواحق وهذا أيضا فنٌّ من الفنون واسع له تعاليمه الخاصة به، وله رجاله الماهرون، الذين دوَّخوا العالم"(1).

في هذا التصوير تنكشف نفسية أبي اليقظان القلقة المتذمِّرة من تصرُّفات الجامدين الذين كانوا -دائما- حجر عثرة في طريقه وطريق زملائه المصلحين. تبدو أيضا في هذا التعريض، وهذه الشماتة، وفي هذه الأوصاف المتعدِّدة، وهذه الجمل المتساوقة، التي تحمل شحنات شعورية حارة، فيها الزفرات والنَّفثات.

وقد عبَّر أيضا عن هذه المشاعر، وهذه الفكرة بأبيات شعرية، ِلمَا أحسَّ به من خطورة الجمود الفكري، وما ألحقه به من أضرار(2) الفكرة نفسها والشعور ذاته عبَّر عنهما كتَّاب آخرون قبل هذه الفترة (فترة الثلاثينيَّات) وما بعدها.

مثل المقالة الصحفية عبَّر الشعر بدوره عن مقته الجمود الفكري، وكشف

(1) "ناقد" (هو أبو اليقظان)، " الشيخ حمُّو في الميزان"، "الأمَّة" (أبو اليقظان) ع: 146 (30/ 11/1937م). ينظر أيضا العددين: 149 (04/ 01/1938م) و151 (18/ 01/1938م).

(2) ينظر ديوان أبي اليقظان ج1، ط2، نشر جمعية التراث، العطف، غرداية (الجزائر) سنة 1989م، ص: 144.

٩٨ / ٤٩٤