الشورى الإسلامية والديمقراطية المعاصرة دراسة مقارنة لبيوض حدبون - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٥٩** ولما قامت الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر سنة 1798م، على أكتاف أولئك الذين استضعفوا زمنا طويلا، وقاسوا الأمرَّين تحت تسلط الكنيسة ورجال الإقطاع، لتشهد فرنسا وأوروبا عموما نقلة نوعية في الميدان السياسي بعدما كانت تهيم تحت جنح الحكم الملكي الذي استمد سلطته من الله-كما يزعم- فوجبت طاعته لأن كلمته صارت هي القانون مع أن سلطتهم لم تكن تتماشى دوما مع مصالح الشعب بل كثيرا ما كانت لأهواء ومآرب شخصية مما أدى بالبلاد إلى الضعف والتشتت من جراء الحروب الخاسرة(1) ، حتى جاءت الثورة لتعطيَ دفعا جديدا وقويا للديموقراطية فقد نُودي بفتح أبواب المساواة والإخاء والحرية التي انتقلت إلى الواقع لِتشهده أروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر وبالذات فلسفات كل من فولتير (ت:1694م)، وجون جاك روسو (ت:1712م)، ومونتيسكيو (ت:1755م)، وغيرهم ممن استطاع أن يبلور للديموقراطية مفهومها الجديد والمثقف، إذ قدم جون جاك روسو صاحب كتاب العقد الاجتماعي الذي يعني الاتفاق المفترِض تخلي الناس عن حالة الفوضى ليُكَوِّنُوا المجتمعَ الذي يعيشون فيه، وتقوم فكرة العقد الاجتماعي على أن الدولة ليست مؤسسة أزلية، ومنشؤها- حسبما يرى روسو وجون لوك (ت:1754م) وآخرون…- يقوم على أن أفراد المجتمع اتفقوا فيما بينهم على وضع ذلك العقد الضمني، واختاروا الحكومة التي تُنقِذه، ومن ثَمَّ فإن أولئك الناس هم أصحاب السلطان الأصلي، ولهم ملء الحق بأن يسحبوا ثقتهم من الحكومة، لاسيما إذا لم تَفِ بالتزاماتها المتفق عليها(2) ، هذا وقد قدم روسو كذلك نقدا لتعريف الديموقراطية الكلاسيكي المتمثل في حكم الشعب، ورأى تعذر تحقق إجماع شعب بكامله على قضية واحدة، فردَّ ذلك إلى حكم الأغلبية(3) ،
(1) - الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص233. بتصرف.
(2) - ينظر: موسوعة السياسة. مرجع سابق، ج4، ص128.
(3) - ينظر: السياسة بين النظرية والتطبيق..د: محمد علي محمد، علي عبد المعطي محمد، ص315.