المساقاة: مشروعيتها وشروطها وأحكامها أفلح بن أحمد بن حمد الخليلي

المساقاة لأفلح الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٢٨

3- أما سبب عدم عموم النهي لزراعة رب الأرض بنفسه وإمساكه لها، فلأنه لا يتمكن الكل من زراعة أرضهم بأنفسهم، فلذا سيمنحونها لغيرهم، وأما الإمساك فهو حل ذكر أخيراً، ونفوس الأنصار وقلوبهم المتدفقة بالرحمة و الإحسان تأبى أن تمسك الأرض، وإخوانهم المهاجرون يتضورون جوعاً، فلذا سيكثر المنح، أما مع المعاملة بجزء فسيقل المنح، ومقصد الحديث زيادته لا نقصانه.

ب- قال الإمام القطب رحمه الله بعد ذكر الحديث: (ويبحث فيه بأن هذا نهي تنزيه لقرينة؛ أنه فعله، وأن الأرض ملك لمالكها)([18]) وأيد ذلك صاحب التنقيح بحديث: ((لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها أجراً معلوماً))([19])([20]) ولعله يستفيد ذلك من كلمة "خير" إذ هي للتفضيل، والأصل فيه أن تكون المفاضلة موجودة في الاثنين، وذلك يقتضي الجواز، لكن هذا غير لازم لأن الله تعالى يقول: }ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم { (البقرة221) ولا خير في المشركة.

وهذا الجواب -وهو حمل النهي على الكراهة- يرد عليه ما ورد على حمل الحديث السابق عليها.

ج- ويحتمل أنه يريد من منحها إعطاءها من يحرثها بأجر ذهب أو فضة أو جزء منها، وسماه منحاً لأنه يتضمن نفعاً لمن يحرثها ولو بأجر، ويقوي هذا أن الأرض مال مملوك، فالأصل أنه لا حق فيها لأحد إلا ما رضي به([21]).

وقد يجاب عن ذلك بالآتي:-

1- أن الإعطاء بأجرة مجاز، قال في تاج العروس: (… يمنحه: أعاره إياه، وقد يقع على الهبة مطلقاً لا قرضاً ولا عارية)([22])، ففي الحديث معناه الإعارة بدون مقابل وجعله لمجرد العارية بأجرة مجاز، وإن جمع بين المعنيين فهو جمع بين الحقيقة والمجاز، وجعله للحقيقة أولى.

٢٨ / ١٩٨