المساقاة: مشروعيتها وشروطها وأحكامها أفلح بن أحمد بن حمد الخليلي

المساقاة لأفلح الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٣٠

هـ- أن الاستدلال بالحديث إنما هو استدلال بمفهوم المخالفة، وقد عارضه المنطوق فيقدم عليه، ومن المعلوم أن من شرط الاحتجاج به ألا يعارضه ما هو أقوى منه دلالة، وقد خالفه هنا ما هو أقوى منه دلالة، ومن شرطه ألا يرد لسبب خاص وقد ورد هنا لسبب خاص، بينته رواية جابر الآتية، وأبو حنيفة لا يحتج بمفهوم المخالفة إذا توفرت شروطه فكيف إذا اختلت، فإن قيل: بأن التخيير في الحديث وإن جاء بمفهوم المخالفة فإن ذلك يقتضي عدم الخروج عنها، فيجاب: بأنه لا يلزم ذلك، فكما لا يلزم من الحديث حرمة بيع الأرض لا يلزم منه حرمة المساقاة فيها، ولا حرمة استئجارها، ويعكر على كونه مفهوم مخالفة أن في رواية أخرى: ((ولا يكريها)) فهو منطوق في النهي، لكن يعترض عليه بما اعترض على أحاديث النهي عن كراء الأرض.

و- حمل الحديث على صورة محرمة وإن جاء بلفظ عام، وذلك لخصوص سببه، فيقصر عليه، فقد جاء عند مسلم من طريق جابر بن عبدالله يقول: (كنا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نأخذ الأرض بالثلث والربع بالماذيانات، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال: ((من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها))([25]) وقصر الحديث على سببه لأجل الجمع بين الأدلة، والقرائن اقتضت ذلك، والكلام فيه كالكلام على نفس الاعتراض في الحديث السابق.

ز- لو سلمنا بأنه غير مقصور على سببه، لقلنا: هو عام خصصته الأدلة المجيزة للمساقاة، إذ الخاص يقضي على العام مطلقاً عند الجمهور خلافاً لكثير من الأحناف، ولعل النزاع في المسألة الأصولية له أثر في الخلاف هنا كما سبق بيانه.

ح- أن المقصود بالأرض هي الأرض البيضاء دون الأرض التي بها الشجر، والدليل على ذلك ما جاء في الحديث: ((فليزرعها)) ولا يمكن الزرع إلا في الأرض الجرداء، إذ التي بها الشجر لايتأتى بها الزرع، فليس النهي في الحديث متعلقاً بالمساقاة لا من قريب ولا من بعيد.

٣٠ / ١٩٨