الشعر والهوية القومية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشعر والهوية القومية

الجزء ١ · صفحة ١٢

يقول الدّارسون: في الأدب القومي تتجلّى منازع الأمّة ومطامحها وآمالها وآلامها. وفيها تبرز وتتّضح ملامح الشّعر الحماسي القديم والتّراث الأدبي الأصيل.

حين نفحص الشّعر القومي لا نجده سوى آراء وأفكار ونظرات، تترجم فلسفة المجتمع في تفكيره ومسيرته وتنظيمه لشؤونه في الحياة، يتحرّك هذا الشّعر وَفق خطّة مرسومة وَتَوَجُّهٍ محدّد، ليصل إلى هدف معيّن محدّد أيضا. إنّه «تعبير عن وجدان الأمّة من خلال نفسيّة الشّاعر، فإذا ما حاد عن هذه الحقيقة، ونأى بشعره عن محور وجدان قومه ليدور في فلك فرد أو زمرة من النّاس، انقلب بوقا لأولي الأمر، يؤثر العيش في كنفهم كالهرّ الأليف، الذي يترقّب فتات الموائد»(1)

بهذا المفهوم نقول: إنّ الشّعر القومي عمل فنّي ينشئه شاعر أصيل في مشاعره وأفكاره، يعبّر عن عواطف أمّته، ويكشف عن آلامها، ويسجّل آمالها، ويعنى فيه بقضايا مجتمعه، لذا يرى الدّكتور أمجد الطّرابلسي في كتابه «الأدب العربي بين الأدب القومي والأدب الإنساني»: أنّ «الشّروط التي يجب توافرها في الأدب ليكون قوميّا هي نزاهة الإحساس وصدق التّعبير عنه، والقدرة على النّقل والإيحاء، والبقاء في محور الأمّة فكريّا وعاطفيًّا ولغويّا»(2)

هذه شروط جوهريّة في وصف العمل الفنّي بالقوميّة، وهي ليست في متناول كلّ النّاس وكلّ الفنّانين، لأنّ الظّروف التي يمرّ بها الإنسان: الضّغط النّفسي والاجتماعي والسّياسي والثّقافي … قد تسبّب ضعفا في نفسه، وتؤدّي به إلى الانحراف عن جادّة الصّواب في بعض مواقفه وآرائه وعلاقاته بمن يحيطون به، فيفقد البقاء في محور أمّته فكريّا وعاطفيّا ولغويّا. هذه المقاييس أو هذه الشّروط كفيلة بتمييز الأدب القومي من غيره.

مجمل القول إنّ «القوميّة بمفهومها البسيط تعني شعورا مشتركا بين جماعة من البشر بأنّ ثمّة ما يجمعهم ويؤلّف بينهم؛ ليكونوا أمّة واحدة متميّزة عن سائر الأمم»(3)

إلاّ أنّ المشكلة التي برزت في العصر الحديث، وفي تاريخ المسلمين والعرب، هي عدم الاتّفاق على هذه الشّروط الجامعة لهم على قوميّة واحدة، بسبب التّقلّبات السّياسيّة، التي حدثت في حياة المسلمين والعرب، وبسبب التّطوّرات الثّقافيّة التي وجدت في محيطهم، هذه المستجدّات،

(1) - الدّكتور عمر الدّقاق، نقد الشّعر القومي، منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق. سنة 1978م، ص: 40.

(2) - المرجع السابق. ص: 91.

(3) - الدّكتور عمر الدّقاق، الاتّجاه القومي في الشّعر العربي الحديث، دار الشّروق العربي، بيروت (د. ت).ص: 195.

١٢ / ٨٩