الشعر والهوية القومية
الجزء ١ · صفحة ١٣التي تسبّب فيها الأعداء، وغذّاها المغرضون، ورعاها المتربّصون والمرجفون. أنتجت ثمارا خبيثة، زادت في الشّقة بين الأشقّاء. وزعزعت الثّقة بين الأخلاّء.
يقول د. عمر الدّقاق: «اتّسم المفهوم القومي في الشّعر العربي الحديث بالغموض والاضطراب، شأن كلّ مفهوم اجتماعي في طور نشأته، ولم ينبجس صافيا أوّل الأمر، فقد صحبته منذ ولادته في نفوس العرب منازع أخرى ذات جذور تاريخيّة ونفسيّة عميقة، أخذت تضفي عليه ألوانها حتّى بات من العسير التّمييز بينها وبينه في بعض الأحيان»(1)
نتيجة لهذا الغموض في تحديد الإطار الذي يجمع العرب في قوميّة واحدة والمسلمين في قوميّة موحّدة، نشأ الصّراع، وازداد العراك، وتفشّى الانقسام، وكثرت التّسميات. وتزيّت القوميّات بأزياء مختلفة، وتلوّنت المفهومات بألوان شتّى. فإذا العروبة تعني الإسلام عند جمهرة من الشّعراء. ومن هذا المفهوم انبثق مصطلح «الجامعة الاسلاميّة»، التي جرى الحديث عنها حين كانت العاطفة الدّينيّة هي المسيطرة على القلوب، «وحين كانت الظّروف التي تسود العصر توحي بأنّ الخصومة بين الشّرق والغرب هي خصومة بين الإسلام والمسيحيّة، أو هي استمرار للحروب الصّليبيّة، كما تصّور بعض زعماء الوطنيّة وكتّابها … »(2). وما يزال لهذا المفهوم وهذا التّصوّر حضور إلى يومنا الحاضر، بخاصّة عند من يرى في إثارة بعض النّزاعات العرقيّة مساسا بالإسلام وما يتّصل به.
وعند بعض النّاس كان المفهوم القومي موشّى بالنّزعة الشّرقيّة، في محاولة لإعانة المستضعفين للوقوف أمام أطماع الغرب «إلاّ أنّ المفهوم الشّرقي كان مترجرجا في أذهان الشّعراء، يتّسع حينا ليشمل الشّرق بجموع أممه، وينحسر حينا ليعني المسلمين، أو يضيق حينا آخر ليقتصر على العرب وحدهم.»(3).
وكانت القوميّة تعني أحيانا النّزعة الوطنيّة الخالصة، التي تهتمّ بالإقليم، وما يجرُّ إلى ذلك من الاعتناء بالتّاريخ الوطني القديم والحديث، والتّفكير في حدود جلب المصلحة للوطن والاهتمام بمصيره فقط، مفصولا عن بقيّة الأقطار، لأسباب سياسيّة واجتماعيّة ونفسيّة.
من مظاهر ذلك الافتخار والاعتزاز بالأصول الخاصّة بكلّ شعب أو قطر. أي وُجدت نزعات وطنيّة محلّية، حرصت على إبراز كيان خاصّ بها: فالمصريّون أحفاد الفراعنة واللّبنانيّون
(1) - نقد الشّعر القومي. ص: 209.
(2) - الاتّجاهات الوطنيّة في الأدب المعاصر، ج 1، ص: 8.
(3) - نقد الشّعر القومي. ص: 210.