الشعر والهوية القومية
الجزء ١ · صفحة ١٦مظاهر القوميّة في الشّعر الجزائري
عاش الشّاعر الجزائري وما يزال يعيش أزمة كبيرة، لأنّه وجد في محيط يعاني مأساة الاغتراب اللّغوي ويكافح في استماتة في سبيل تعريب الجماهير، والارتفاع بها إلى مستوى المتلقّي المتذوّق الواعي لرسالة الأدب، والفاهم لدور الشّاعر في الحياة وريادته لها … بهذا دخل في صراع داخلي مع نفسه، ثُمَّ مع غيره، ليصحّح الانحراف، ويرشد إلى الصّواب؛ ليتلقّى بعد ذلك أنواعا من الهجوم على أفكاره ومواقفه، ويتّهم في عقله ويوصم بأوصاف جريحة موغلة في القدح والشّماتة.
مع أنّ كلّ ما قام به هو محاولة جادّة وصادقة للدّفاع عن القوميّة، وإثبات الهويّة، وقد نجح في هذا نجاحا كبيرا، بخاصّة إبّان الاحتلال الفرنسي للجزائر، رغم أنّ الوطنيّين كانوا يخوضون- في مواجهة كلّ ذلك – معارك متعدّدة الجبهات، ويواجهون وجوها مقنّعة، ويلتقون بسبل ملتويّة، ويحاربون أعداء ظاهرين ومتستّرين … كلّ هذه الواجهات تجنّدت لضرب الشّخصيّة الوطنيّة، والنّيل من القوميّة العربيّة والإسلاميّة.
نتج عن ذلك ما زعزع القوميّة: إذ وجد إسلام مشوّه وثقافة دخيلة مسمومة، وشعب تسلّط على زمامه المستعمر، وشباب مشوّه الثّقافة واللّسان، مفصول عن تاريخه وحضارته. وقد كان ما أقضّ مضاجع المصلحين بخاصّة هو تشكّك في الشّخصيّة الوطنيّة، بل جحود وكفران بها، وما تأسّفوا له أن يحمل هذه الفكرة أبناء الجزائر أنفسهم، بل مثقّفوها: «وليته التشكّك السّاذَج عند رجل الشّارع العام أو فالح الأرض البسيط، يتظافر على تغذيته جهل المواطن ومكر الدّخيل، أو ليته الهجس الخفيّ، تسرّه القلوب المريضة، ولكنّها الفكرة المدروسة المدسوسة، تتجرّأ على الصّدع بواسطة الجريدة أو الكتاب المطبوع، وترفع عقيرتها في وسط النّهار.
فلا غرابة في أن يكون الجهد الذي استنفذه الانحراف الدّاخلي مع الحركة الإصلاحيّة يزيد أضعافا على ذلك الذي يكفله عدوّ دخيل، لا يحتاج لأكثر من مناورة ذكيّة»(1)
بدافع من هذا الوضع المتردّي الذي أصاب الهويّة الوطنيّة والقوميّة العربيّة والإسلاميّة، تحرّك الشّعر ليقول كلمته، وليقوم بواجبه في معركة الأصالة والهويّة وإثبات الذّات. نهض ليكون وفيّا لمشاعر الأمّة ولعواطف الشّعب، وليؤكّد على قوميّته، والشّعر القوميّ ليس سوى التّعبير عن وجدان الأمّة من خلال نفسيّة الشّاعر، الذي حرص على عرض مسائل أساسيّة من أجل
(1) - الدّكتور صالح خرفي، الجزائر والأصالة الثّورية. ص: 19.