الشعر والهوية القومية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشعر والهوية القومية

الجزء ١ · صفحة ٣٧

سنعيد ذكرى (القادسيّة) للنّهى … تهوي بكسرى، أو تطيح بقيصرا

سنشنّها (عمريّة) (سعديّة) … سنثير رملتها قتاما أغبرا

ذكرى سنجعلها، وتبقى عبرة … في الخافقين، لِمن وعى وتذكّرا(1)

توجد قصائد كثيرة تغنّت بالصّحراء والرّيف. إنّ الدّارس حين يتأمّلها يقرأ فيها المشاعر الوطنيّة، والمعاني القوميّة بأوضح ما يكون، وهو ما يجب أن يتشبّع به الشّاعر القومي، ويحذقه الفنّان صاحب الرّسالة.

إنّ التّعامل مع هذا الموضوع بهذه الصّورة، يحمل الشّاعر على الاقتناع بأنّ الشّعر بعظمته وشأنه الكبير قادر في أيّة لحظة، وفي أي ميدان تحرّك، وفي أيّة وجهة وجد، وفي أيّ موضع وضع، وفي أيّ سبيل سيق، وبأيّة وسيلة اقتيد … قادر على البقاء وفيّا لهويّته القوميّة، قدير على تحريك المشاعر الصّادقة في النّفوس، وزرع الأفكار الصّالحة في الرّؤوس. يعلّق الدّكتور محمد ناصر على تعامل الشّعراء الجزائريّين مع الصّحراء قائلا: «ويمتزج بنزوعهم الفردي هذا نزوع قومي يتمثّل في الشّعور بأنّ المدن بحضارتها ومدنيّتها، إنّما تمثّل وجه الغرب المستعمر، في حين يظلّ الريف والصّحراء بطهارتهما وإشراقهما يمثّلان وجه الوطن الحقيقي، الذي لم يفسده المستعمر بحضارته المزيّفة، ولم يدنّسهما بأقدامه الدّخيلة»(2)

مجمل القول: إنّ وصف الطّبيعة عند هؤلاء الشّعراء لم يكن القصد منه – في الدّرجة الأولى – إلاّ الإفصاح عن الإصرار على التّمسّك بالأرض والتّعلّق بها، والدّعوة إلى تحرير البلاد من ربقة الاستعباد، والنّداء إلى التّأسّي بأخلاق الصّحراء، والرّجوع بالإنسان إلى الفطرة التي فطر الله النّاس عليها … إنّ هذا يعدّ سبيلا من سبل تصوير الشّعور الوطني أصدق تصوير. وهو أحد مظاهر الرّسالة القوميّة.

(1) - صالح خرفي، أطلس المعجزات، ط 2، (ش، و، ن، ت) الجزائر، سنة 1982م. ص: 177، 178. مطلع القصيدة هو:

بايعت من بين الشّهور نفمبرا … ورفعت لصوت شعبي منبرا

(2) - دراسة في الشّعر الحديث. ص:110.

٣٧ / ٨٩