الشعر والهوية القومية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشعر والهوية القومية

الجزء ١ · صفحة ٣٨

4 - تعامل الشّعراء مع اللّغة تعاملا قوميّا:

شعر الشّعراء الجزائريّون بالغربة الثّقافيّة في وطنهم بخاصّة في عهد الاحتلال، إذ كانت الثّقافة الدّينيّة ضعيفة: غلوّا في الجمود أو إفراطا في التّحلّل من الدّين، أو الدّعوة إلى الاندماج والتّجنيس، والانقطاع عن الماضي، والارتماء في أحضان الحضارة الغربيّة، إلى جانب الضّعف في اللّغة العربيّة لاسباب عديدة … أحسّ الشّعراء – نتيجة لذلك- بخطر داهم يهدّد اللّغة العربيّة والإسلام بالتّبع؛ بما نتج عن ذلك من مزالق فكريّة، أصابت الأصالة في العمق، فعملوا على تدارك الأمر وإنقاذ الموقف واتّخاذ أية وسيلة في هذا المجال، فهداهم تفكيرهم إلى سلوك مسلك عملي، وهو محاكاة الأساليب البيانيّة العاليّة في الكتابة كالقرآن الكريم والحديث النّبوي الشّريف والأدب العربي القديم …

نظرا لكون القرآن الكريم يمثّل عند الشّعراء الجزائريّين(1) - كغيرهم – المعين الذي تأخذ منه التّجارب، والملجأ الذي يلجأ إليه في حلّ المشاكل الفكريّة بخاصّة. كيف لا يكون كذلك!! وهو القمّة التي وصلت إليها البلاغة والفصاحة، فقد استلهمه الشّعراء – استجابة للدّافع القومي، وانطلاقًا نحو تثبيت الهويّة – في فضح الكثير من دسائس الاستعمار وأهدافه التي ترمي إلى طمس معالم الشّخصيّة الإسلاميّة العربيّة في الجزائر. واستوحوه في الكشف عن الصّراع الحضاري بين الاستعمار والانتماء العربي الإسلامي، والصّراع الدّيني بين المصلحين والطرقيّين، والصّراع الأخلاقي بين المؤمنين والمنحرفين سلوكيّا وفكريّا …

ضمن الرّسالة القوميّة التي تحمّلها الشّعراء، حاولوا الارتقاء بلغتهم والتّوسّع فيها في وقت ضعفت فيه الثّقافة اللّغويّة – كما هو حالنا اليوم – وهو ما انجرّت عنه انزلاقات، هي من المشاكل التي تعاني منها الهويّة والقوميّة، التي نرجو أن نعمل جميعا على تداركها. فقد وجدوا في القرآن الكريم الغناء من هذا الفقر؛ فعملوا على احتذائه والسّير على نسقه في التّعامل مع اللّغة واستعمالها في سبيل بعث الثّقافة اللّغويّة القويّة، ونشرها في أوساط الجماهير، والوقوف والصّمود أمام التّيّارات التي تعمل على الحطّ منها وإضعافها.

كانوا في هذا الاستعمال يستغلّون العاطفة الدّينيّة في المتلقّين والمخاطبين، فكانوا يقدّمون أفكارهم ومشاعرهم في سياق من الألفاظ القرآنيّة التي تحمل دلالات، تعين على إثارة عاطفة أو

(1) - الحديث ينصرف إلى الشّعر الذي قبل الاستقلال بخاصّة.

٣٨ / ٨٩