الشعر والهوية القومية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشعر والهوية القومية

الجزء ١ · صفحة ٥

هذا العمل وإن كان منطلقه نيّة حسنة، إلاّ أنّه يمسّ الجزائر في العمق، إذ يتّهمها في أصالتها؛ بفقدها أحد مقوّمات شخصيّتها، المتمثّل في اللّغة العربيّة، وما ينجرّ عن ذلك من انعكاسات سلبيّة على فكرها. هذا الظّنّ أدّى بالدّكتور طه حسين إلى أن يصرّح في إحدى جلسات مجمّع اللّغة العربيّة في أواخر الخمسينيّات: «إنّ الاستعمار الفرنسي نال من الكتّاب الجزائريّين إلى درجة أنّهم فقدوا قوميّتهم العربيّة»(1)

يقول د. صالح الخرفي: «العزلة التي فرضها الاستعمار على الجزائر، والقطيعة التي استهدفت بها روابط العروبة والإسلام، والحرمان الذي استنزف كلّ عرق نابض والعقيدة والقوميّة، هذه العزلة هي التي هيّأت في الشّرق مناخا خصبا للظّنون الخاطئة، وتلك القطيعة هي التي خلّفت فراغا ذهنيًّا متهيِّئا لتقبّل كلّ شيء، ولو كان على حساب أصالة القطر وعروبته وإسلامه، فنتج عن ذلك سوء فهم للحقائق وسوء ظنّ بالمظاهر العابرة التي تخفيها، وجرّ ذلك إلى سطحيّة في التّعارف وحساسيّة في الاحتكاك، وضيق صدر في تفسير الأمور، واحتكام إلى النّظرة المرتجلة، تنزع في أحكامها إلى المعرفة الحديثة العهد، القريبة المأخذ، عارية من الحقيقة الرّاسخة الجذور، المتّئدة النّفس، نظرة أشبه بالنّبتة الطّفيليّة التي لا تمتدّ عروقها أعمق من قشرة الأرض … »(2)

كما أن ما تعيشه الجزائر اليوم من رواسب فكريّة، وما تعجّ فيها من تيّارات، أثارها أو تبنّاها من فقدوا الوطنيّة وابتعدوا عن الأصالة، فحملوا الرّاية ضدّ ما هو أصيل … رسّخ في أذهان إخواننا المشارقة بخاصّة: أنّ صورة الجزائر هي كما يقدّمها هؤلاء، وأنّ الجزائريّين الحقيقيّين هم هؤلاء، بأفكارهم وميولهم ومعتقداتهم.

من العوامل التي دعتنا إلى تناول الشّعر الجزائري نموذجا للشّعر القومي أنّنا وجدنا فيه نفحات ولفحات، ولفتات وومضات، تعبّر عن العناصر المشتركة المكوّنة للهويّة القوميّة؛ كالدّين واللّغة والتّاريخ والآمال والآلام، وفيه كان الحديث كثيرا عن العروبة والقضايا العربيّة والإسلاميّة … وبخاصّة وأنّ الجزائر مرّت بتجربة قاسيّة فريدة من نوعها في العالم العربي والإسلامي؛ نتيجة الهجوم الذي تعرّضت له في هويّتها وقوميّتها، وبالنّظر إلى المقاومة التي أبدتها في صدّ هذه المؤامرات والدّسائس. وقد كان للشّعر دور كبير في هذه المعارك والمصادمات من أجل تثبيث الهويّة القوميّة، هذه التّجربة تصلح أن تكون مثالا يحتذى في هذا المجال في الوقت الرّاهن …

(1) - الدّكتور صالح الخرفي، في رحاب المغرب العربي، ط1. دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان. سنة 1985م. ص: 220. وللمؤلف نفسه، ينظر الشّعر الجزائري، (ش، و، ن، ت)، الجزائر، (د. ت) ص: 259.ومجلّة الفكر، عدد: جانفي 1958.

(2) - الدّكتور صالح خرفي، صفحات من الجزائر، (ش، و، ن، ت) الجزائر، سنة 1973، ص: 303.

٥ / ٨٩