الشعر والهوية القومية
الجزء ١ · صفحة ٤تدلّ عليه من حضارات البابليّين والآشوريّين والكلدانيّين والحيثيّين والفينيقيّين والفراعنة … وللأوربيّين في ذلك أسلوب خبيث ماكر … »(1) ودخل الكلّ في صراع وعراك ضدّ الكلّ، الخاسر فيه كان الهويّة القويّة والوَحدة العربيّة والإسلاميّة.
إنّ ما يستغرب منه أن تثار قضيّة الهويّة، وأن يختلف فيها أبناء الملّة الواحدة والثّقافة الواحدة في هذا الوقت الذي يتكالب فيه الأعداء، ويسعون إلى إزالة هذه الأمّة العربيّة من الوجود، ويدعو فيه المغرضون والسّذّج منّا إلى عالميّة الثّقافة والدّخول في كنف النّظام العالمي الجديد، تمحى فيه الفوارق الثّقافيّة، وتكون فيه السّيادة والسّيطرة للقويّ جاها وسلطانا وديكتاتوريّة وطغيانا …
أمام هذه التّطّورات كان لا بدّ من البحث عن الأسباب الفاعلة، وإيجاد السّبل القويمة لمعالجة مشكلة الهويّة والقوميّة، ومعرفة دور الشّعر في تحليلها، والعمل على استدراك ما فات، يقول الدّكتور عبد الله ركيبي: «إنّ ما نعيشه الآن يفرض علينا أن نبحث عن جذور الفكر الأصيل في تراثنا العربي، ونبحث عن الأصالة الرّاسخة فيه، حتّى نعرف أنفسنا، ونؤكّد الصّلة التي تعمّق من فكرة الوَحدة، التي يعبّر عنها شعراؤنا في المغرب أو في المشرق وانعكست في قصائدهم وأشعارهم»(2).
حاولنا في هذه المحاضرة المشاركة في هذا الموضوع وتحليل القضيّة، بالاعتماد على دور الشّعر في تثبيث الهويّة وذلك باتّخاذ تجربة الشّعر الجزائري نموذجا لذلك.
اختيارنا لهذا الشّعر نموذجا أملته عوامل كثيرة، منها: جهل كبير من إخواننا المشارقة – بخاصّة – بهذا الشّعر وما قيل منه قبل استقلال الجزائر على الخصوص. بل صدرت حوله أحكام صبغته بصبغة، أبعدت عنه سمات العروبة والأصالة الإسلاميّة، بسبب تمكّن الاستعمار الفرنسي من المكوث في الجزائر مدّة قرن ونصف تقريبا، وضربه اللّغة العربيّة في العمق. وقد تخيّل لكثير من إخواننا في المشرق العربي أنّ ما أنتجته القريحة الجزائريّة أدبا هو ما كتب باللّغة الفرنسيّة فقط، وهو الذي يمثّل الأدب الجزائري الحقيقي، ولهذا تكرّم بعض إخواننا المشارقة بترجمة بعض النّماذج المكتوبة باللّغة الفرنسيّة إلى اللّغة العربيّة؛ حرصا منهم على التّعريف بالمأساة الجزائريّة.
(1) - د. محمد محمد حسين، الاتّجاهات الوطنيّة في الأدب المعاصر، الجزء الثّاني. ط 2.مؤسّسة الرّسالة، بيروت، سنة 1407هـ/ 1986م. ص: 137، 138.
(2) - د. عبد الله ركيبي، قضايا عربيّة في الشّعر الجزائري المعاصر. ط 3. الدّار العربية للكتاب ليبيا، تونس. سنة 1397هـ/1977م. ص: 7.