الشعر والهوية القومية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشعر والهوية القومية

الجزء ١ · صفحة ٥٣

أمّا عن القضيّة الفلسطينيّة، فنقرُّ أنّنا لم نسجّل في الأدب الجزائري الحديث اهتماما بقضيّة إسلاميّة عربيّة مثلما سجّلنا لهذه القضيّة، فقد كان لها حضور كبير في هذا الأدب، منذ بدأ الحديث عنها في الزّوايا والأماكن الخاصّة، ومنذ كانت القضيّة أفكارا تعرض وحديثا عاديّا يتداول، ومنذ كانت إرهاصاتها تلوح في الأفق.

كان لما ذاقه الجزائريّون من أذى، وما جرّعهم اليهود من مرارة في مختلف الميادين، وما أصابهم من كيدهم، كان لكلّ ذلك دوره في اشتداد حقد الجزائريّين على اليهود والصّهيونيّة.

لقد عرفوا مرارة الضّيم و القهر والاضطهاد؛ لذا قدّروا معنى التّضحيّة لاسترجاع الحرّيّة والكرامة، فكان تنديد الأدباء الشّديد بقوى الاستعمار بعامّة هو تنديد ومقاومة غير مباشرة للعدوّ الفرنسي المستبدّ في الجزائر، وكان الكشف عن مؤامرات اليهود والصّهيونيّة في فلسطين هو كشف عن مؤامرات فرنسا ومناوراتها في الجزائر(1)

هذا التّعامل مع هذه القضيّة بهذه الكيفيّة، وبهدف تحقيق تلك الغايات، وبهذا الوعي العميق، وهذه الشّموليّة في النّظرة، هو ما يعطي لهذا العمل الأدبي القيمة القوميّة، لأنّه يوفّر له الطّابع الرّسالي. وهو ما يجب أن يكون عليه الأدب في كلّ زمان ومكان وفي كلّ الحالات.

كتب الشّاعر مفدي زكريّاء سنة 1961م قصيدة تحت عنوان «فلسطين على الصّليب»، تعدّ 83 بيتا. بناها على شكل حوار بينه وفلسطين، استوحى فيها الفاصلة القرآنيّة في سورتي الحاقّة والقارعة، واستلهم معانيها التي تتناول أهوال يوم القيّامة والحساب والجزاء والعقاب، وهو ما ينتظر عباد الله (خيرا أو شرّا). عرض الشّاعر في هذه القصيدة القضيّة الفلسطينيّة وتصرّفات العرب معها، وخذلانهم لها، بسبب مواقفهم السّلبيّة نحوها:

أناديك في الصّرصر … العاتيه … وبين قواصفها الذّاريه

وأدعوك بين أزيز الوغى … وبين جماجمها الجاثيه

فلسطين يا مهبط الأنبيا … ويا قبلة العرب الثّانيه

فلسطين والعرب في

(1) - ينظر كتابنا «السّخرية في الأدب الجزائري الحديث» (1925 – 1962) (مخ). ص: 97 وما بعدها. وص: 133، 134. من النّسخة المطبوعة، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1425ه/ 2004م.

٥٣ / ٨٩