الشعر والهوية القومية
الجزء ١ · صفحة ٨فالشّعر هو مظهر تظهر فيه مشاعر الأمّة، وتتجلّى فيه أحوالها، وتتراءى للرّائي نفسيّتها، ويعرف به درجة مزاجها العقلي»(1)
أمّا محمّد السّعيد الزّاهري (1899 - 1956) فيعطي مدلولا أوسع للشّعر ووظيفة أكبر وأسمى، بإبرازه المعنى العميق للشّعر المنبثق من الشّعور، فهو يرى أنّ الشّعر ونظمه يجب أن لا ينحصر في فئة معيّنة، بل ينبغي أن يتعاطى قرضة كلّ أفراد الشّعب الجزائري، ماداموا يعيشون مآسي، وما داموا في الوقت نفسه يملكون مشاعر وعواطف: «إنّ الشّعر هو الشّعور، وأبناء الجزائر يشعرون جميعا بهذه الآلام، فما بالهم لا يكونون شعراء أجمعين؟ أشعر بمجد الجزائر القديم، وأشعر بعد ذلك بما صارت إليه هذه الأمّة من البؤس الأليم، فينفطر قلبي انفطارا ويغلي صدري هموما وأحزانا»(2)
هذه اللّفتة تعدّ لبنة مهمّة، أو نظرة واعية هادفة في طريق بناء صرح القوميّة، لأنّها ترمي إلى تَحسيس كلّ مواطن وكلّ فرد بأنّه مسؤول عن كلّ ما يتعلّق بوطنه وقومه، مهما يكن مستوى هذا الشّخص أو وظيفته أو مركزه الاجتماعي …
كما تدعو هذه النّظرة إلى تجنيد القوى لتشييد الوطن، وتهدف إلى توحيد العواطف وتكاثف الجهود، للوقوف أمام كلّ ما يعوق تطوّر البلاد ومسيرته، هذه الرّؤية ترغب أن تمتزج المشاعر فيما بينها ليقبل الجميع متّحدين على النّهوض بالجزائر … وبذلك يكون الشّعر أداة قوميّة للدّفاع والهجوم في آن واحد، ثمّ بثّ الوعي والحماسة في القوم، وفي هذا يقول الشّاعر رمضان حمود (1906 - 1929):
وشعري كالحسام يصون عرضا … بلا حرب عوان أو نصال
يصادم من يَعيث بِمجد قومي … ويطعن ذا الضَّلال بلا نزال
أسيّره كما
(1) - أبو اليقظان، الدّيوان، ج 1، ط 2، المؤسّسة الوطنيّة للفنون المطبعيّة، رغاية، الجزائر. نشر جمعيّة التّراث، العطف، غرداية. سنة 1989. ص: 53.
(2) - ينظر كتاب في رحاب المغرب العربي، ص: 221.