الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٤

يمكن للقارئ أن يقف على الإشارات التي ذكرناها، إذا حلّل القطعة أو اللّوحة إلى مستويات: المعجم والدّلالة والبلاغة والمعنى والموسيقى والصّورة.

أمّا الشّاعر عبد الله بن عليّ الخليلي فقد نحا منحى آخر في قصيدته " المسيح والخائن " منحى قصصيّا، اعتمد فيه على الصّور الشّعرية المتلاحقة في التّصوير، في معظم مقاطع القصيدة، وفي أغلب مراحل نموّ المواقف، وتطوّر الأحداث وتأزّمها.

المدخل الذي يكون – عادة - مخصّصا للوصف والتّمهيد للقصّة: وصف المكان وتقديم الشّخصيات، وإبراز بعض الجزئيات، التي تساعد على فهم سير أحداث القصّة، ووعي حقيقة المواقف فيها، ومتابعة التّطوّر الذي يحصل فيها … هذا المدخل كان في قصيدة " المسيح والخائن) ذا طبيعة تصويريّة. عمد فيه الشّاعر إلى التّصوير المعنوي، الذي يكشف عن الهدف الذي يرمي إلى تحقيقه، وهو أخذ العبر والدّروس من الواقعات والمواقف. وهو منذ البداية يبرز هذا التّوجّه نحو التّوجيه والإرشاد في كتابة القصيدة:

هاكها تملأ النّفوس اعتبارا … وتزيد العقول فيها ادّكارا

وتلفّ الإيمان قبضة نور … في قلوب كانت لها مستنارا

راضها العلم، فهي حلبة وعي … سابقات النّهى عليها تبارى

وجلالها الإيمان في عبر الدّهـ … ر على حجزة الزّمان إطارا

قصّة يقعد المسيح عليها … هكذا قيل فاتّخذها منارا

وأدر في عظاتها عين واعٍ … تُلْفِ للفكر حولها مستدارا (22)

يقول الدّكتور أحمد درويش معلّقا على المدخل في القصيدة: " لاحظنا أنّ صور المدخل دارت في إطار التّصوير المعنوي على الإجمال، وقد كان ذلك متّسقا مع إعداد القلب لمتابعة قصّة الصّراع بين القناعة والطّمع. وقد بدأ المقطع الأوّل برسم الخطوات الأولى لتلك القصّة، فجاءت صوره كلّها حسّية؛ لكي تحدث لونا من التّوازن الذي ينشده الفنّ الجديد دائما بين العناصر المختلفة، لكن ذلك التّصوير الحسّي يشفّ في الواقع عن الهدف المعنوي الذي تسعى إليه القصيدة." (23)

بعد المدخل الذي ركّز فيه الشّاعر على التّصوير المعنوي، انتقل إلى صلب الموضوع، وإلى صميم الأحداث، ومعه إلى التّصوير الحسّي. وبذلك يكون قد وازن بين الجانبين: المعنوي والحسّي في الكتابة الشّعريّة والتّصويرية.

١٤ / ٥٤