الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٦

إذا وقفنا عند بعض العبارات التي حملت صورا شعريّة، عبّرت بكلّ وضوح وقوّة عن مشاعر الشّاعر، ونقلت وترجمت عن أفكاره، أو على الأقلّ أنبأت عن الأهداف التي يرمي إلى الوصول إليها -ما دام غرضه من هذه القصّة المصوّرة شعرا هو التّوجيه والإرشاد وأخذ العبر وتقديم النّصح- إذا وقفنا عندها لمحنا التّصوير الذي اعتمده الشّاعر للتّعبير عمّا بداخله. فالتّركيب: " يرسل في الأفق ذراعي شهم يجوس الدّيارا " قدّمت فكرة عن حركة المسيح، وهو يتقدّم بسرعة ليجول في الفضاء الواسع، ويسير في الأرض الفسيحة، التي قد تكشف له عن بعض الأسرار، وتستقبله ببعض المفاجآت. وعبارة: " يجوس الدّيارا " تُعبّر عن تنقّله في الأرض طالبا هدفا معيّنا. وقوله بعد ذلك:

واسبكرّا سعيا إلى الله في البيـ … ـد كأنْ يرميان فيها الجمارا

دليلُ نيّة المسيح السّير في الأرض والسّياحة فيها، من دون النّظر إلى ما ستعترضه من مشاقّ وأهوال.

الوصفُ الذي قدّمه، وهو يفصح عن اقتحامه المصاعب: ذرع الأرض، من دون توقّف، وافتراش أديمِها، والالتحاف بالسّماء، والاستضاءة بنور القمر، إذا أظلم اللّيل … المتلقّي والقارئ للقصّة يتوقّع أو ينتظر من هذه الإشارات أمورا تحدث، أو أشياء ينوي المسيح الوصول إليها أو إحداثها. فالشّاعر يبدأ من هنا توجيهَ الأحداث بما يخدم الغرض من إيراد هذه القصّة. يبدأ بإرسال رفيقه بدرهمين لشراء خبز؛ بلغة القوت فالطّربق الصّحارى.

لا يخفى على المثقّف بالثّقافة القرآنيّة أثر القرآن في هذه اللّوحة. فقد استلهم الشّاعر موقف موسى عليه السّلام مع الذي علّمه الله من لدنه علما، والذي طلب منه موسى عليه السّلام أن يصطحبه ليتعلّم منه ما علّمه الله، فاعتذر له صاحب العلم أنّه لن يستطيع معه صبرا، لكنّ موسى عليه السّلام عاهده على الصّبر. قال الله تبارك وتعالى: ﴿فََوَجَدَ عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (26)

دَعَمَ الشّاعر تصويره للموقف، ورفد تعبيره بواسطة الصّورة الإشارية، التي حطّت بالمتلقّي في سورة الكهف، وفي المشهد الذي حكاه الله عن موسى عليه السّلام مع من أوتي علما لدنيّا. والإشاريّة كانت بعبارة " اصطحبني تجد لديّ اصطبارا "

إلى جانب ما تحمله الصّورة من معنى الاسترحام والاستجداء والرّغبة والرّجاء في قبول سيّدنا عيسى عليه السّلام أخذ المرمل النّحيف في صحبته، في الرّحلة التي قادت المسيح عليه السّلام، كما قادت

١٦ / ٥٤