الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٧

موسى عليه السّلام، فإنّها تحمل دلالة السير في المجهول، وإلى غير المعلوم، في نظر النّحيف المرمل. كما كان موسى عليه السّلام يُقْدِمُ على أمور لا يحيط بها خبرا.

وتَحْمِلُ دلالةَ الارتباط بالقرآن الكريم، وبالأصول التي تحكم حياة الشّاعر، ويصدر عنها في سيره وحركته. بدليل محاولة الشّاعر استلهام نسيج القرآن، حتّى في ألفاظه، حيث بقي في جوّ سورة الكهف، وفي ظلال موقف موسى مع فتاه وهو يحادثه. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَينِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبيِلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ ءَاتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (27) قال المسيح هو يحاور رفيقه الخائن:

أخذا يمشيان والنّجم حيران … وبدر السّما يزيح السّتارا

فإذا البحر في الأمام، ولا منجاة … منه والبحر ليس يبارى

أرني ما ترى أخي فلعلّ اللّه يقضي بما تراه اختبارا

قال: ما لي من حيلة يا نبيّ اللّه والحول في المفازة غارا

قال: جِزْهُ وَرَايَ، لا تخش غير اللّه في البطش قاهرا جبّارا

وعلى الفور جاوزاه فلمّا … بلغا الغاية التي لا تُمارى

قال: جزناه دون لمسة ضرّ … فبحقٍّ أين الرّغيف استطارا؟

وبمن قد أراك ذي الآية الكبرى … قل الصّدق، لا تكن ختّارا

لست أدري به وإنّي أمين … صادق القول فاعتبرني اعتبارا

قال: نمضي معا إلى الله، فاللّـ … ـهُ تراه لصادق القول جارا (28)

إنّ المتأمّل في التّعبير القرآني والأبيات الشّعرية لا يمكن أن يخفى عنه تضمين الشّاعر لبعض عبارات القرآن، بل استلهام روحه في بناء صوره. نلحظ ذلك في محاولة مسايرة القرآن في الخطوات التي سجّلها عن تحرّك موسى عليه السّلام وفتاه، التي أسقطها على حركة المسيح والخائن، حتّى المكان (البحر) كان قاسما مشتركا بين المشهدين، ومجاوزته كانت متشابهة في الموقفين.

على ذكر البحر يبدو أنّ الشّاعر - لرغبته في البقاء مرتبطا بالمشهد القرآني أو النّسيج القرآني أو التّصوير القرآني – رضخ لتداعي الخواطر فساقه ذلك إلى استغلال معجزة موسى عليه السّلام في عبور البحر بسلام، بعد أن انفلق له وكان كلّ فرق كالطّود العظيم (29) ليُبيّن أنّ عيسى عليه السّلام جازه ورفبقه " دون لمسة ضرّ ".

١٧ / ٥٤