الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٤الصّورة الشّعريّة
التّصوير هو الجوهر والأساس في العمل الشّعري الإبداعي. يقول الجاحظ: " فإنّما الشّعر صياغة وضرب من النّسج، وجيش من التّصوير. " (1) معنى ذلك: إنّ العمل الشّعري يكتسب صفته الإبداعيّة وقيمته الفنّيّة بواسطة التّصوير؛ لذا فإنّ عبقريّة الشّاعر الإبداعية تقاس، وتعرف بمدى قدرته على التّصوير الجميل الدّقيق، الذي يقودنا إلى عالمه الدّاخلي؛ إذ الصّورة الشّعريّة وسيلة الشّاعر المهمّة والرّئيسة في نقل عواطفه ومشاعره وفكره وآماله وآلامه إلينا.
من هنا: " قيل إنّ الشّعر يَظَلُّ مُبْهَمًا في نفس الشّاعر، فلا يتّضح لنا إلاّ بعد أن يتشكّل في صورة،" (2) وقيل أيضا: " الصّورة الأدبيّة أصدق تعبير عمّا يجول في النّفس من خواطر وأحاسيس، وأدقّ وسيلة تنقل ما فيها إلى الغير بأمانة وقوّة، وأجود موصل إلى الآخرين في سرعة وإيجاز ووفرة. والصّورة أجمل وأنضر طريقة في شدّ العقل والخيال إليها، وربط الإحساس بِها، وتجاوب المشاعر لها، وإحياء العاطفة وسحر النّفس. ويؤثر الأديب والشّاعر والنّاقد الصّورة الأدبيّة في الأدب والنّقد لأهداف كثيرة. " (3)
كيف يمكن للفنّان أن يحلّق خارج الصّورة الأدبيّة، إذا كان ما يرجوه من الكتابة الشّعريّة هو ما توفّره الصّورة الشّعريّة. فالصّورة الأدبيّة جمال ونضارة، واستجابة سريعة للأحاسيس والعواطف، وقوّة وأمانة ودقّة في نقل المشاعر إلى الغير، وزرع العدوى الشّعوريّة في نفوسهم، وفسحُ المجال للخيال كي يتحرّك فيبدع، وفتحُ الفضاء للعقل كي ينشط فيبتدع …
إنّ الصّورة تمثّل كنه الشّعر وتجسّد ماهيته، وتكشف عن وظيفته، وتحقّق غايته، التي تعبّر عن موقف الفنّان من قضايا الكون والحياة والإنسان، وما يدور حوله، وما يتطلّع إليه. وتبرز ما يستقيه من الماضي، وما يستشفّه من الواقع، وما يستشرفة في المستقبل.
لهذا الدّور الكبير الذي تؤدّيه الصّورة في العمل الشّعري، ولهذه الدّقّة التي تتميّز بها، ولهذه الرّقّة التي تتوافر عليها، نجد تركيبها ليس سهلا، وبناءها ليس هيّنا. فهما غير متهيّئين لكلّ من يرغب في كتابة الشّعر. وقوّتُها وعمقُها ممّا يتفاوت فيهما الفنّانون والمبدعون. حتّى اكتشافها في الأعمال الفنّيّة الإبداعيّة ليس متيسّرا لكلّ من يحاول أن يكشف عنها، وليس بمقدور كلّ الدّارسين والنّاقدين أن يضعوا أيديهم عليها، أو يُبْرزوها، أو يلاحظوها ويلاحقوها؛ لأنّ الفنّان قد يختفي بمشاعره وأفكاره وراء لفظة، أو خلف عبارة، أو في ظلّ تركيبة. وقد يتستّر أو يتسربل برمز أو إشارة أو إيماءة … لذا قد لا يتفطّن إلى