الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٥هذه الصّورة من يقرأ هذا المبدع: " والفنّ الصّادق والشّعر العبقري هو الذي يعبّر عن نفس صاحبه من وراء حجاب، وإن لم يتحدّث عن نفسه صراحة. وخير الطّرق التي تبرز شخصيّة الشّاعر وأصالته، بل أقواها وأشدّها أثرا في النّفس هو طريق الوحي والإشارة. " (4)
قد يتعجّل الدّارس الحكم فيما يكتب الشّاعر، فيحكم له أو عليه، وقد يثبت له التّصوير وقد ينفيه عنه، وقد يمرّ على الأثر الأدبي ويتجاوزه من دون أن يمسّ خيوط الصّورة، أو يقف على خطوطها؛ لأنّ تعبير الفنّان أدقّ وأعمق من أن تدركه عين النّاقد بيسر وسهولة، أو يحيط به عقل الدّارس، أو يكتشفه المتذوّق للأدب والشّعر بخاصّة. فالصّورة تعتمد " على الكشف الذي يحتّم على المتلقّي التّركيز ونفاذ البصيرة، الذي تعقبه هزّة مفاجئة وارتياح بعد العثور عليها وفهمها. " (5) كما أنّ مرجع هذا الإخفاق – أحيانا - في كشف التّصوير في الأثر الشّعري يكمن في كون طبيعة الصّورة الأدبيّة أنّها " التّركيب القائم على الإصابة في التّنسيق الفنّي الحيّ لوسائل التّعبير، التي ينتقيها وجود الشّاعر – أعني خواطره ومشاعره وعواطفه – المطلق من عالم المُحَسَّات؛ ليكشف عن حقيقة المشهد أو المعنى في إطار قويّ نَامٍ محسّ مؤثّر، على نحو يوقظ الخواطر والمشاعر في الآخرين. والشّاعر - في نشوة العمل الفنّي، وغمرة التّكوين الدّاخلي للصّورة في نفسه - يحسّ بتجرّد تامّ من أثقال المادّة، ويصير هو في ذاته خيالا وفكرا وشعورا وعاطفة، مجرّدا عن الماديّات." (6)
هذه الدّرجة العالية من التّنسيق الفنّي، وهذه الملابسات التي تحيط بلحظة الكتابة، والمنطلقات التي ينطلق منها المبدع، وهذا الوضع الذي يكون عليه الفنّان، أعني تجرّده من المادة، والانتقال إلى عالم المجرّدات، وهذا المزج بين الفكر والعاطفة، ومحاولة الجمع بين الإفصاح عن المكنون، والضّنّ على المتلقّي بالسّهولة في كشفه … كلّ ذلك يجعل من الصّورة الفنّيّة أو الشّعريّة ظاهرة أو عالما فسيحا للكتابة، وفضاء واسعا للكشف والإفصاح أو الفصح عن المستور والمخفيّ، أو المتخفّي العصيّ.
كما أنّ " الصّورة تتّخذ كلاّ من اللّفظ والأسلوب وسيلة للتّخيّل والتّجسيم والتّشخيص والتّلوين والإيحاء والحركة والأضواء والظّلال والإيقاع الرّتيب … " (7)
بناء على كلّ ما أتينا على ذكره نقول: إنّ الصّورة الشّعريّة تُعنَى بالكشف عن العالم النّفسي، عن طريق تشخيص الحالة النّفسيّة، والحرص على إثارة المشاعر في المتلقّي. وتعتمد على الخيال أو القوّة الفعّالة والخلاّقة كما تسمّيها جماعة الدّيوان (8)
هي تخرج عن المألوف في التّعبير، وتتمرّد على الدّلالات المعجميّة، وتنأى عن التّقريريّة والمباشرة إلى الإيحاء والرّمز و الإيماء … (9) وهي نحمل " دلالات خاصّة لا يمكن أن تكون مشابهة لسابقتها.