الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٤٠

إذا بحثنا عن أثر هذا الإيقاع في المعاني التي أراد الشّاعر تبليغها، فلا نجده. فحرف الرّاء الذي يتميّز بالجهر والتوسّط بين الشدّة والرّخاوة ويقترن بالذّلاقة، هذه الأوصاف تسهم في إظهار الشدّة والطلاقة في التّخفيف من هذه الشّدّة عن طريق التّعبير عنها بذلاقة، أي تيسير إرسال الصّوت. فنحن لا نحسّ بأنّ الشّاعر يشعر بعسر أو ضيق يلجئانِه إلى اعتماد صوت (الرّاء) بهذه الكثافة، إنّما نشعر أنّه كان يرغب في إيجاد إيقاع، قد يساعده على إحداث موسيقى داخليّة في القصيدة. فالشّاعر في مقام مدح، وفي حالة انبساط وارتخاء. يبحث عن الأصوات التي تبعث على التّطريب، كحروف الصّفير التي نجد لها حضورا في هذه الأبيات، مثل السّين والصّاد والزّاي.

الملاحظة نفسها تنطبق على أبيات لأبي سرور، وهو يتحدّث عن استمرار النّبوغ والتّفوّق، ليسجّل أنّ عمان ما تزال بخير، لأنّها أرض ولود، فالعقم مقبور في أرضها؛ لأنّ المجد له من صلبه عقب:

مزارع النّخل لو أبصرتها انقرضت … لكن نواها سيكسو أرضها الثّمرا

ما مات مجد له من صلبه عقب … لكنّما العقم لا داناك قد خسرا

يا دار فخري إنّ الخير ما كُفِرت … فينا أياديه لو تحت الثّرى قبرا (96)

نحسّ بالإيقاع المتولّد من تكرار حرف (الرّاء)، لكنّنا لا نقرأ ولا نقرُّ له أثرا في المعنى، ولا نفهم المغزى من إيراد كلمات اشتملت على هذا الصّوت. من هنا يبدو التّكلّفُ واضحًا في الكلمات التي ساقها، فهي لا تقدّم أيّ شيء لبناء صورة شعريّة.

قال أبو سرور أيضا:

للمجد هيّا بنا، بالصّارم الذّكر … بالمدفعيّة، بالصّاروخ بالبتر

بالجدّ، بالموت، بالإيمان نطلبها … أعني المعاني، لا بالنّوم في السّحر (97)

يعلّق الأستاذ سعيد بن سليمان العيسائي على هذه الأبيات قائلا: " فقد كرّر حرف (الباء) عشر مرّات، وحرف (الرّاء) رويّا خمس مرّات؛ ليضفي على القصيدة حالة إيقاعيّة، انسابت في عفويّة تلقائيّة، ليؤكّد على الحالة الشّعوريّة التي جسّدها (الباء) الذي تلازمه في صورته المعنويّة؛ باعتباره دالاّ على الاستعانة، حين استقرّ في ذهن الشّاعر واختزن في ذاكرته أنّ المعالي والمجد لا يتحقّقان إلاّ بملازمة ما ذكر، إذ جاء تكرار (الرّاء) حرف رويّ في القصيدة خمس مرّات ليمنحها نبرة إيقاعيّة معنويّة." (98)

يبقى هذا التّعليق وجهة نظر، في حاجة إلى مناقشة. بالفعل نحسّ بالإيقاع متولّدا من تكرار الحرفين (الباء والرّاء) وبالعفويّة والانسيابيّة والتّلقائيّة في إيرادها. لكنّنا لا نظفر من خلال ذلك بمعنى يعبّر عن الحالة الشّعورية التي مرّ بها الشّاعر، ولا نحسّ لهذا التّكرار دورا في العمليّة الإبداعيّة.

٤٠ / ٥٤