الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٣٩والواهب الصّمع عفوا غير مكترث … والهازم الجمع بأسا يوم زحفتهِ
والقاسم المال إحسانا ومكرمة … والمالك الحمد مختوما بجملتهِ
من أوسع الأرض عرفا وقت نائلة … وألبس الأسد خوفا وقت سطوتهِ
وانهلّ سيل العطايا في تبسّمه … وانهدّ سيب المنايا في عبوستهِ
والنّاس صنفان: مغبوط بنعمته … فضلا، وآخر مسخوط بنقمتهِ
وللنّهار دليل من مشارقه … وللظّلام دليل من كتيبتهِ
من ذا يعود خليّا من مكارمه؟ … من ذا يكون غنيّا عن مروءتهِ؟ (94)
إنّ ممّا يسهم في إحداث الجرس؛ لإبراز المعنى المراد تبليغه تكرير الصّوت. فإنّ ذلك يعين على تصوير الموقف وتجسيمه أو تشخيصه. يستغلّ الشّاعر الخصائص الصّوتيّة، التي تتميّز بها بعض الحروف، فيوجّهها لتكشف عن إيحاءات الصّوت أو اللّفظة أو الجمل المكرّرة.
التّكرار من مصادر الإيقاع عند الشّاعر العماني المحافظ، تكرار الحرف، تكرار الكلمة، تكرار الجمل، تكرار الصّيغ …
حرف (الرّاء) تكرّر في القصيدة الآتيّة بشكل لافت للنّظر: عددًا، وتقفية شطري البيت به، ومجاورته لبعض الحروف، وفي توليده من كلمات … قال ابن شيخان السّالمي في مدح السّلطان فيصل بن تركي:
بَرَزَتْ بشمس فوق غصن مائر … وبجيد ظبي تحت طرف فاتر
وبروض ورد بين سيف باتر … وبظلم خصر من كثيب جائر
فتقمّصت بقميص حسن باهر … وتعطّرت بنسيم مسك عاطر
وغدت ترى ما فوق رأس النّاظر … شيبا فولّّت عن ضياء النّاظر
بالله يا لبّ السّقيم الحائر … ما كان إلاّ كالسّليم السّاهر
رفقا بصبّ منك شاك شاكر … وبمستهام منك قاص قاصر
فبهيم فرعك في المحيّا النّائر … خداع صبّ فيه سار سائر
قسما بخالقك القويّ القادر … ما أنت إلاّ بهجة للنّاظر (95)
تبدو في اللّوحة رغبة الشّاعر الملحّة على توليد معانٍ من حرف الرّاء، واشتقاق كلمات اعتمادا على هذا الحرف، كما يبرز شغفه بالإيقاع الرّتيب، فأكثر من إيراد كلمات تشتمل عليه. يدلّ على ذلك عمده إلى إنهاء شطري كلّ بيت بهذا الحرف.