الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٤٤

وآهات تترى، فاختار لقافية القصيدة حرفي الألف والنّون. وهما حرفان يستجيبان لمشاعر الشّاعر، ويرتبطان أشدّ الارتباط بمضمون القصيدة، زيادة على الإيقاع الرّتيب والمنسجم مع عواطف الشّاعر.

فحرف النوّن حرف جهري ذلقي، يتميّز بالغنّة، التي تحدث صوتا خاصّا، بتسرّب الهواء من الأنف ومن اللّثّة العليا، يجاور النّونَ ألفٌ ممتدّة، تمدّده النّفس وترسله إلى الخارج، لتساعد الشّاعر على إخراج ما يحسّ به من كمد إلى خارج نفسه، فيتنفّس قليلا ممّا يضيق به صدره. هذا بالنّسبة له، وبصفته شخصا له مشاعره يريد إطلاع المتلقّي عليها. أمّا بالنّسبة للقارئ والمستمع، فهما يترنّمان بهذا الإيقاع، ويتجاوبان مع الشّاعر؛ بفضل هذه الموسيقى المنبعثة من هذه الأصوات المتناغمة. يقول الدّكتور سمير هيكل: " … حيث وفّق في اختياره (أي أبو مسلم) لحرف الرّويّ ليكون الحرفَ الأخير، وليكون له موسيقى، فيها ذبذبات صوتيّة متناسبة مع نغمات الحرف الطّويل، ومن هنا كان أفضل هذه الحروف لموضوع القصيدة هو حرف النّون الذي يتردّد بأنفاس الأنف والحلق … ويبدو أنّ الشّاعر قد تنبّه إلى ما في الألف والنّون من تأثير موسيقي فوظّفهما التّوظيف المثالي في نونيّته." (106)

بداية القصيدة كالآتي:

تلكَ البوارقُ حاديهنّ مرنانُ … فما لطرفكَ يا ذا الشَّجْوِ وَسْنانُ

شقّت صوارمُها الأرجاءَ واهتزعتْ … تُزجِي خًميسًا، له في الجوّ ميدانُ

تبجّست بِهزيم الوَدقِ مُنْبَعِقًا … حتّى تساوَتْ بِهِ أَكمٌ وقيعانُ (107)

على القافية المنتهية بياء موصولة بهاء السّكت، نظم الشّاعر ابن شيخان السّالمي قصيدة في مدح السّلطان فيصل بن تركي، جمع فيها بين الحسرة والفرحة. الأسى على البعد عن الممدوح، واستبطاء الوصول إليه، والابتهاج بالقرب منه والإعجاب بمحاسنه وأفضاله … الياء حرف لساني، صفته الجهر، والهاء حرف حلقي، صفته الهمس والخفوت. نسجّل في الانتهاء السّلاسة والسّهولة في النّطق، اللّذين وفّرهما تباعد المخرجين وتقابل الصّفتين؛ بحيث ينقطع النّفس مع (الياء) المجهورة لشدّة الحسرة التي أصابت القلب – ولو كانت متكلّفة، وكانت توطئة لتسجيل مشاعر المحبّة والغرام بالممدوح – ثمّ ينطلق مع (الهاء) المهموسة؛ حتّى لا يبقى في القلب كمد.

بهذا تكون النّهاية معبّرة بإيقاعها، مطربة بجرسها، فتتكوّن رنّة، تنجذب إليها النّفس لتعي حقيقة ما يشعر به الشّاعر، سواء صدّقه المتلقّي فيما ذهب إليه أم لم يفعل ذلك، المهمّ إنّ الشّاعر قصد أن يحدث في نظمه إيقاعا، يوفّر له الموسيقى، التي تجمّل شعره.

أملَى النّسيمُ على القُلوبِ الصّاديهْ … خبَرَ الحِمَى سَحَرًا، فَأضحَتْ راوِيَهْ

٤٤ / ٥٤