المباحث الأصولية في كتاب الضياء للعوتبي - نسخة للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٤بالتصنيف، فنال النصيب الأكبر وحظي بالقسط الأوفر في التأليف، وفي هذا يقول: «على أن الغرض المقصود به، والغرض الموضوع له هو الفقه الذي هو العلم الأعم والفن الأتم»(1).
قد بذل العوتبي جهدا معتبرا في تأليف هذه الموسوعة، فخرجت بهذا الحسن في التصنيف، والإحكام في الترتيب، والجودة في الصياغة، ولعل هذا من مميزات المدرسة الرستاقية، حيث كان اهتمامها ظاهرا واطلاعها واسعا بعلوم العربية وعلم أصول الفقه، ونتيجة لذلك كانت مؤلفاتهم أكثر انسجاما ورصانة(2).
وبهذه الخصائص والمزايا تبوأت موسوعة الضياء مكانة خاصة لدى علماء الإباضية، وحظيت باهتمامهم مشارقة ومغاربة، وغدت مصدرا أصيلا في المذهب الإباضي يرجع إليها العلماء والدارسون.
ثالثا: التأليف الأصولي عند الإباضية إلى ما قبل العوتبي(3):
انطلق التأليف عند الإباضية منذ أواخر القرن الأول للهجرة، وهذا من خلال أعمال الأئمة الأوائل كجابر بن زيد (ت 93 هـ) وأبي عبيدة مسلم (ت حواليي 150 هـ) والربيع بن حبيب (ت ما بين 175 - 180 هـ)، حيث كانت المؤلفات جامعة للسنن والآثار والفتاوى، وفيها امتزج الفقه مع العقيدة والحديث، وكانت قواعد الأصول مبثوثة في ثنايا مسائل الفقه وجوابات الفقهاء كما نجده في ديوان أبي غانم الخراساني (ق 2 - 3 هـ).
وفي القرن الثالث الهجري تنامت ظاهرة التأليف عند إباضية المشرق، وبرزت مدونات فقهية تعتبر المصادر التأسيسية في تاريخ الإنتاج الفكري العماني، وذلك كآثار الإمام محمد بن محبوب (ت 260 هـ)، وجامع ابن جعفر (حي: 280 هـ)، وأعمال أبي المنذر بشير بن محمد بن محمد (ت بين 280 و 290 هـ)، غير أنه لم يعرف علم الأصول استقلالا في التأليف، غير ما ينسب إلى أبي المنذر كتاب البستان في الأصول كما وصفه بذلك الإمام السالمي(4)، وهو في عداد المفقودات، ولا ندري مقصوده بالأصول أصول الدين أم أصول الفقه، لذا لا يمكن تصنيفه ضمن المؤلفات الأصولية جزما.
وفي القرن الرابع الهجري تتزود المكتبة الإباضية بمؤلف فقهي فريد وهو كتاب "الجامع" لأبي محمد عبد الله ابن بركة البهلوي (ت حوالي 363 هـ)، إذ يعتبر من أهم مصادر الفقه الإباضي، حيث أفرد الفصول الأولى في كتابه لمسائل في أصول الفقه، كانت المرجع الأساس للمؤلفات المشرقية اللاحقة. كما أن له كتاب "التعارف"، وهي رسالة صغيرة تحدث فيها عن أصل العرف، وعن اليقين الذي تبنى عليه الأحكام الشرعية. وبهذا يعد نتاج ابن بركة محور التأليف الأصولي عند الإباضية، وبالخصوص عند المشارقة منهم.
وخلال القرنين الخامس والسادس الهجريين نشطت حركة التأليف في عمان عموما، وعرف ميلاد الموسوعات الفقهية
(1) الضياء، 1/ 199.
(2) ينظر: الخليلي أحمد بن حمد، العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، قراءات في فكر العوتبي، ص 68.
(3) للتفصيل حول مصادر علم الأصول عند الإباضية ينظر: مصطفى بن صالح باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 84. جابر فخار، التأليف الأصولي عند الإباضية: دراسة كرونولوجية وصفية، مجلة المنهاج، جمعية الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش لخدمة التراث، غرداية، الجزائر، العدد 4، محرم 1437 هـ/ أكتوبر 2015 م، ص 105.
(4) ينظر: السالمي عبد الله بن حميد، اللمعة المرضية، ص 105.