المباحث الأصولية في كتاب الضياء للعوتبي - نسخة للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣خاصة آثار أشياخ المدرسة الرستاقية التي ينتمي إليها، وعلى رأسهم الإمام ابن بركة البهلوي، وكذا أبي الحسن البسيوي، ومما يؤيد هذا أنه اعتبرهما شيخيه في العلم كما عبَّر بذلك في مواضع من موسوعته(1)، وهذا ما يفسر عناية العوتبي بآثار أعلام هذه المدرسة في تأليف موسوعته "الضياء".
هذا، وقد عاش العوتبي في زمن شهدت فيه عمان اضطرابات داخلية وتقلبات سياسية، وعلى خلاف المشهد السياسي، فقد عرفت الحركة العلمية تطورًا وازدهارًا، نتيجة التنافس الذي كان بين المدرستين الرستاقية والنزوانية(2)، توِّج هذا النشاط العلمي بتأليف أشهر الموسوعات العمانية وهي: "بيان الشرع" لمحمد بن إبراهيم الكندي (ت 508 هـ)، و"المصنف" لأحمد بن عبد الله الكندي (ت 557 هـ)، وكذا "الضياء" وغيرها؛ حيث كان لهذه الموسوعات الدور البالغ في حفظ تراث الأعلام السابقين من الاندثار والضياع.
ثانيا: التعريف بموسوعة الضياء:
يعد كتاب الضياء من أهم الموسوعات العلمية التي ألفها العمانيون في القرون السابقة، وهي بما تحويه من شتى أصناف العلوم وغرر الفوائد، تشهد لمؤلفها بسعة الاطلاع وطول الباع في شتى فنون المعرفة الأدبية والشرعية.
وقد بيَّن العوتبي في مقدمة كتابه دواعي التأليف، وطريقته في التصنيف؛ حيث هدف من خلال مشروعه إلى جمع آثار علماء الإباضية المشارقة، وإعادة تنصيفها وترتيبها في أبوابها العلمية، وقد كان أكثر اعتماده على مؤلفات أعلام المدرسة الرستاقية التي ينتمي إليها، وعلى رأسهم الإمامان ابن بركة وأبو الحسن البسيوي.
ولم يمنعه انتماؤه المذهبي من الاستفادة من تراث أعلام الإسلام، حيث ضمنه آراء المدارس الفقهية الأخرى، فغدت موسوعة متميزة في الفقه المقارن، أضف إلى ذلك ما حوته من مباحث لغوية وشذرات أدبية، ومواعظ وغيرها؛ فينتقل القارئ بين أفانين العلوم ورياض المعارف دون سآمة ولا كلالة.
أما محتوى الموسوعة فقد جاءت شاملة لعلوم الشريعة فروعها وأصولها، حاوية للدُّرر والمُلَح، في العقيدة والتفسير والحديث والفقه واللغة وغير ذلك، تتوزع على أربعة وعشرين جزءا على الأشهر، طبع منها اثنان وعشرون جزءا(3). ضمنها المؤلف في أجزائها الثلاثة الأولى ما يتعلق بأصول الدين ومسائل التوحيد وعلم الكلام، وكذا مباحث علم الأصول، بادئا بأبواب العلم وآدابه. ثم خصص الجزء الرابع للتزكية وأعمال القلوب، مع شيء من فقه السياسة الشرعية.
ثم تناول في بقية الأجزاء فقه الحلال والحرام، بدءا بفقه العبادات، إلى الأحوال الشخصية، ثم أحكام القضاء وفقه الجنايات، ثم تطرق إلى أحكام الوصايا والمواريث، وانتهى بأحكام المعاملات.
ويبدو من خلال هذه المحاور الكبرى للموسوعة أن العوتبي ابتغى وضع مدونة تحيط بكافة الجوانب التعبدية للمكلف، وفق المفهوم الشامل والمعنى الواسع للعبادة، عقيدة وفقها وسلوكا، على أن الفقه كان غايته المقصودة
(1) ينظر: الضياء، 16/ 199.
(2) حول التعريف بالمدرستين ينظر: راشد بن علي الحارثي، الاختلافات الفقهية بين المدرستين النزوانية والرستاقية، ندوة تطور العلوم الفقهية: التأليف الموسوعي والفقه المقارن، ص 71 - 87.
(3) انظر الخلاف في حجم موسوعة الضياء وما فقد منها: مقدمة التحقيق، 1/ 50 - 53.