المباحث الأصولية في كتاب الضياء للعوتبي: دراسة وصفية جابر بن سليمان بن عيسى فخار

المباحث الأصولية في كتاب الضياء للعوتبي - نسخة للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٧

ولعل ما يفسِّر استهلال العوتبي موسوعته بموضوع الاجتهاد والتقليد وما يتَّصل به من أحكام الإفتاء والاستفتاء، كونه من أولويات ما يجب على المكلف علمه من أحكام دينه، إذ لا يُعبَد الله إلا بعلمٍ، ويستوي في هذا العالم والعاميُّ؛ كما أن أمر الاجتهاد والتقليد لا يتعلق بالأحكام العملية فحسب، بل يشمل أحكام الدين عقيدة وفقها.

3 - حاز دليل القياس النصيب الأوفر من الأدلة الأصولية في الكتاب، وتناول فيه المؤلف جملة من المسائل المتداولة في كتب الأصول، لكن مع غيابٍ لأهمِّ محور في القياس وهو مسالك العلة وشروطها، إلا ما تناوله باقتضاب في صفحة واحدة حول مسلك الدوران وقادح النقض.

4 - يلاحظ غياب بابَيْن أصوليَّين هما: الحكم الشرعي، والأدلة المختلف فيها؛ نحو الاستصلاح والاستحسان، وشرع من قبلنا. رغم حضورهما في خارطة التأليف الأصولي إلى حدود القرن السادس الهجري(1).

ولعل المؤلف لم يقصد الاستقصاء لكل المباحث الأصولية، واقتصر على ما وجده فيما سبق من المصادر الإباضية، مع العلم أن التأليف على نمط المقدمات الأصولية لا يستقصي فيها أصحابها جميع مباحث هذا العلم، وإنما يقتصر فيه على ما يهم الفقيه، وله أثرٌ في الفروع، لذلك تأتي مباحث دلالات الألفاظ في طليعة المسائل المركزية في هذه المقدمات وذلك ما نجده في موسوعة الضياء.

على أنه لم تخل الموسوعة من إشارات تتَّصل بنظرية الحكم الشرعي، من ذلك ما أورده العوتبي حول اتفاق العلماء على أن الشرع هو المصدر الوحيد لمعرفة أحكام الحلال والحرام، حيث قال: «لا تنازع بين أهل العلم أن صورة الأشياء لا تدل على تحليلها وتحريمها من طريق مشاهدتها والعلم بها وبأوصافها، وأن التحليل والتحريم مأخوذ منهما من طريق السمع»(2). كما يذكر في موضع آخر تعريفات لأقسام الحكم التكليفي من الواجب والحرام والمندوب والمباح والجائز(3).

- أما ما يتعلق بالأدلة المختلف فيها فقد صرح ببعضها في سياق ذكر الخلاف في المعتبر من الأدلة غير النصية؛ حيث يقول: «تنازع الناس في الدليل الذي هو غير النص؛ فقال بعضهم: الدليل الذي هو غير النص: القياس أو إجماع أهل الأعصار. وقال بعضهم: القياس والاستحسان. وقال بعضهم: القياس وعمل أهل المدينة»(4).

أما دليل الاستصحاب فلا نجد له ذكرا باسمه، غير أن معناه حاضر في بعض القواعد الدالة عليه، وألصقها به قاعدة "اليقين لا يزول بالشك"؛ حيث أورد جملة من القواعد المعبرة عن مضمونها بما يصل إلى 17 قاعدة وضابطا فقهيا(5)، من ذلك قوله:

"الأشياء على أصولها حتى ينقلها ناقل عنها".

(1) وذلك ما نجده في أهم المؤلفات الأصولية سواء على مذهب الجمهور أو الحنفية؛ كأصول السرخسي، كالمستصفى للغزالي، وغيرهما.

(2) الضياء، 2/ 32.

(3) انظر: الضياء، 2/ 405 - 406.

(4) الضياء، 3/ 27.

(5) انظر: الضياء، 3/ 23 - 24.