Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٨٩الفصل الثاني: دليل الوحي
كتابات
الحديث وتدوينه ولكنها دقيقة ومعبّرة عن المنهج وتوظيفه منذ عهد مبكر. وإن كان ثمة نقطة أساسية حسمت كثيرا من الإشكالات حول حجم الإباضية في علوم الحديث والجرح والتعديل، وموازين نقد الأخبار، وهو أنهم يعتقدون أن الكذب كبيرة، وأن الكبيرة تخلّد في النار (!). وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على خطورة الكذب عليه في الحديث المتواتر من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (2).
وحدر أئمتهم من ذلك، لأن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أشنع الكذب، وأقبحه وأفضحه والكذب عليه الي هو الإخبار عنه بخلاف ما هو به فالواجب على المسلم أن يتورع عن رفع الأخبار عنه ال وينقل كل شيء منه إلى صيغته ولفظه» (3).
وعن
أفعاله،
وبهذا السبب يعلل الخليلي خلوّ ساحة الإباضية من الوضاعين، فلم يكونوا بحاجة إلى النظر في الأسانيد وأساليبها، وكيفية تلقي الرواية، واكتفوا بعدالة الرواة (4). وكان الورع حاجزا للناس عن الرواية إلا اضطرارا. ولكن أحوال المسلمين تبدلت بعد الصدر الأول، فتقلّص ظلّ الورع، ونجم قرن الوضع، وعمّت الرواية واشتغل بها الناس؛ فاقتضى الحال البحث عن أحوال الرواة واتصال الأسانيد.
وحدد أبو يعقوب الوَارِجُلانِي أن السنة تحتاج إلى ثلاثة أوجه: الأول تخريج المتون، والثاني تصحيح نقلة الحديث، والثالث كيفية اقتباس العلوم من نفس الحديث. ومن هذه الوجوه وقع الخلل، وعظم الزلل، وهو آفة هذه الأمة دون سائر الأمم، لأن عامة الأمم فرائضها مقصورة مخصوصة، وهذه الأمة سلك بها طريقة الاستبداد بالرأي والاجتهاد سلوك الملائكة صلوات الله عليهم، طريقة الإلهام، فتشعبت عليهم العيون وبغت بهم الميون، فاتسعوا
1) حول هذه القضية ينظر: أحمد الخليلي الحق الدامغ، 183 فما بعد. 2 سبق تخريجه. (3) العوتبي، الضياء، 2: 260
4) أحمد الخليلي مقابلة معه يوم 1 رَمَضَان 1417/ 10 جانفي 1997 بمسقط، عُمان.
189