منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٢٠

الباب الأول: اجتهاد التأصيل

بأسباب الوقائع إلا بعد التجربة؛ مبادئ قال بها العرب. واعترفوا أنه لا يُنسب إلى فرنسيس بيكون أي فضل في اكتشاف المنهج التجريبي في أروبا، ولم يكن بيكون في الحقيقة إلا واحدا من رسل العلم الإسلامي إلى أروبا المسيحية، وأن أهم أثر للثقافة الإسلامية في أروبا هو تأثيرها في العالم الطبيعي، والروح العلمي، وهما القوتان المميزتان للعلم الحديث (1). والقياس الأصولي نتاج إسلامي خالص لا صلة له بتراث اليونان وما اشتهر في من المنطق الأرسطي. وقد يبدو أن ثمة نوع تشابه بين القياس الأصولي وبين التمثيل الأرسطي، لأن في كليهما انتقالا من جزئي إلى جزئي، ولكنهما عند التحقيق مختلفان تماما، وإن اتفقا في الجانب الشكلي، فالتمثيل في المنطق هو الحكم على شيء معين بصفة لوجود هذه الصفة نفسها في شيء آخر مماثل له في صفة أو صفات أخرى. ويسمّى المثال المقيس عليه أصلا والمثال المقيس فرعا، والصفة المشتركة جامعا (2).

فهو انتقال من جزئي إلى جزئي دون رابطة علة جامعة بينهما، وليس في هذا إضافة جديد إلى المعرفة الإنسانية، خلافا للقياس الأصولي الذي يقوم على نوع من الاستقراء الدقيق للتوصل إلى العلة وإجرائها بناء على القانونين المذكورين، قانون العلية وقانون اطراد الحوادث ومعناهما أن لكل معلول علةً، وأن العلة الواحدة إذا وجدت تحت ظروف متشابهة أوجدت معلولات متشابهة (3). فاستعملوا قياس الغائب على الشاهد للوصول إلى حكم الغائب بناء على استوائه مع الشاهد في الوصف الموجب للحكم. واعتبر الأصوليون هذا الطريق موصلا إلى اليقين (4). هذا، وإن لم يتكامل البناء النظري لمباحث علم الأصول عند متقدمي الإباضية، فإنه تجسد في اجتهاداتهم تطبيقا ميدانيا، تجلت فيه كثير من مصطلحات هذا الفن، ثم عُني اللاحقون بتجريدها وضبطها في هيكل مترابط

1) عبد الحليم الجندي، الإمام الشافعي، 261. (2) أبو العلا عفيفي، المنطق التوجيهي، 77.

3) النشار، مناهج البحث، 86/ 85. 4 النشار، مناهج البحث، 86/ 85

320