منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣١٩

الفصل الرابع: دليل القياس

والاستدلال بالقياس الأصولي، وجة بارز لحضارة المسلمين ينم عن عبقرية الفكر الإسلامي في التوصل إلى المنهج الاستقرائي في أكمل صوره، إذ أقام علماء الأصول أهم طرق البحث العلمي على قانونين عقليين هما: قانون العلية وقانون الاطراد في وقوع الحوادث (1). وضبط الأصوليون العلة الشرعية بضواط دقيقة، ووضعوا لها مسالك للكشف عنها، سواء في الفرع أم في الأصل؛ حتى يتم إجراء عملية القياس على أساس سليم. وبهذا المنهج سبقوا المحدثين في وضع قوانين الاستقراء وطرقه، وأقاموا القياس الأصولي على أساس التجربة، كما يتجلى ذلك واضحا في مسلك السبر والتقسيم، أو ما عُرف بتنقيح المناط.

ويعد هذا المنهج رائدا لمناهج البحث العلمي التي قامت عليها حضارة الغرب في العصر الحديث. ولا غرو أن يعد القياس جوهر علم الأصول، حتى وجدنا الشافعي يعتبر القياس والاجتهاد معنى واحدا وتجلّي مباحثه أنه يُرسي شروط الحرية الفكرية والنزاهة العلمية، واعتماد الواقع في تقرير الأحكام. وفق ما أرشد إليه القرآن؛ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ ? إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أوليك كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]. وبهذا المفهوم الشامل وجدنا القياس

علماء

مفتاحا لكثير من أبواب المعرفة. ولا عجب أن نقرأ فحوى كلام أصحاب أصول الفقه في نصوص الطبيعة والعلوم التطبيقية أو مناهجهم. وهي تتحد في الاعتداد الموضوعي بالواقع وإجراء التجارب عليه بنزاهة واستعمال القياس في استخلاص النتائج دون الخضوع لمقررات سابقة كما كان حال علماء أروبا في القرون

الوسطى (2).

وقد شهد علماء الغرب أن قواعد استخراج المجهول من المعلوم، والتدقيق في الحوادث تدقيقا مؤديا إلى استنباط العلل من المعلولات، وعدم التسليم

1) النشار، مناهج البحث، 102.

2) عبد الحليم الجندي، الإمام الشافعي، 258.

319