منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٣٨

الباب الثاني: اجتهاد التفسير

وفيها أثبت الله لنفسه السمع والبصر.

وذكر الوارجلاني أن للقضية اعتبارين، «فإن اللغة واحدة، بها يتعارف وبها يتناصف، وجعلها في حقنا حقيقة لا مجازا، وفي حقه حقيقة لا مجازا. لأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]» (1).

وذكر الوَارِجلاني الحقائق المبثوثة في القرآن من: الوجود والحياة، والعلم والقدرة، والإرادة والكره والرضى والأمر والنهي، والطاعة والمعصية،

والثواب والعقاب والجنة والنار. وفصل معانيها بين الحقيقة والمجاز. فحقيقة الوجود في متعارفنا المعهود فينا؛ كوننا تحت المكان والزمان، وهذا ما يُفهم من قولنا: فلان موجود وفلان معدوم بعكسه. ولكن وجود الباري سبحانه بخلاف الأول. وهذا الوجود غير معقول إلا من جهة الشرع، بدليل قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]. ولهذا قلنا:

إن الإخبار عنه في حقنا مجاز، إذ قصرت عقولنا أن تعقل كنه وجوده.

وأما حقيقة وجود الله وصفاته في ذاته فهو أولى بالحقائق من وجودنا

وصفاتنا؛ للنقص الشامل لنا جل وعلا فوق النطق وصفاتنا تحت النطق وليس الوجودان سواء على

وجوده وصفاته ودوامه. إذ صفاته عن کمال

حال (2).

ويوضح العوتبي القضية بأنه «جائز أن يقال: لم يزل الله سميعا، وهي صفة ذات، وجائز لم يزل سميعا والمعنى بأنه عالم، وأن العالم بالشيء بصير به، وجائز أن يوصف بأنه قريب من الخلق والوصف له تعالى بذلك على جهة التوسع والمراد أنه عالم بنا وبأعمالنا، وأنه سامع لقول الخلق، وراء لأعمالهم، وأنه لا ستر بينه وبينهم ولا حجاب ولا مسافة. فلما كان على ذلك؛ قيل له في سعة اللغة إنه قريب منا، إذ كان لا يشاهد أعمالنا أحد من المخلوقين إلا من كان قريبا منا» (3).

وكذلك تقرب العباد الله تعالى بالطاعات هو مجاز وتوسع، ومعناه طلب

1) الوَارجُلانِي، الدليل والبرهان، طبعة عمان. 3: 14. 2 الوَارَجُلانِي، الدليل والبرهان، طبعة عمان 3: 15/ 14. 3 العوتبي، الضياء، 2: 5.

338