منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٣٧

=

الفصل الأول: البيان

= وإذا تعذر إجراء اللفظ على حقيقته الشرعية عُدِل به إلى المعنى اللغوي، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتوضأ أحدكم من طعام أحل الله أكله» (1). وورد أنه أمرهم بالوضوء مما مسته النار (2).

فهو محتمل أن يكون أمرهم بتنظيف أيديهم من الدسم، لأن الوضوء في كلام العرب مأخوذ من الوضاءة، وهي النظافة والحسن. والأمر إذا ورد بالوضوء كان ظاهره يوجب على المتعبد أن يأتي بفعل يسمّى به متوضئا، وإذا وضأ يده من الزهومة سمّي بذلك متوضئا (3)، وهو ما تؤكده الروايات الحديثية أن ذلك الوضوء كان للنظافة لا للتعبد. وأن الأمر منسوخ فقال الترمذي: وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوُضُوءَ مِمَّا غَيْرَتِ النَّارُ وَأَكثرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيْرَتِ النَّارُ» (4).

-3 - الحقيقة والمجاز في باب الصفات:

احتد الجدل بين طوائف المسلمين حول الحقيقة والمجاز، وأثر ذلك على جانب هام من مباحث العقيدة، تتعلق بصفات الباري، فنفاها قوم لأنها تستلزم المشابهة بالمخلوقات. وتنافي قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]. وأثبتها آخرون، وقالوا هي حقائق، ولكنها تختلف عن حقائق ما عهدنا من صفات الخلق. واستدلوا بنفس الآية،

1) وهو قول ابن عباس. وقد وقع الخلاف بينه وبين أبي هريرة كما رواه النسائي وأحمد عن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ الْمُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبِ الْمَحْرُومِي يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عباس: أَتَوَضًا مِنْ طَعَام أَجِدُهُ حَلالاً فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لأَنَّ النَّارَ مَسْتَهُ. قَالَ: فَجَمَعَ أَبُو هُرَيْرَةً حَصًا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ عَدَدَ هَذَا الْحَصَى لَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضَئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ».

السنن الصغرى، سؤر الهرة، صفة الوضوء، باب الوضوء مما غيرت النار، حديث: 174. مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند أبي هريرة رضي الله عنه، حديث:10633. 2 أخرج مسلم عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله يقول: الوضوء مما مست

النار.

صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب الوضوء مما مست النار، حديث:554. 3) ابن بركة، الجامع، 1: 305.

(4) سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الطهارة عن رسول، باب الوضوء مما غيرت النار، حديث: 77.

337