Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٧٠الفصل التمهيدي
ومعرفة من المسؤول عنها.
والذي تهدف إليه هذه الدراسة مد جسور التواصل وإزالة الجفوة التي اصطنعتها ظروف الماضي القريب والبعيد، مما أدى إلى إقامة جُدُرٍ من حديد بين أبناء عقيدة التوحيد (1). ومن المعلوم أن الإباضية جماعة أفرزتها الظروف السياسية التي ابتلي بها المسلمون أواخر العهد الراشدي، ولكن هذه الجماعة لم تكن حبيسة آراء سياسية متناثرة، بل كان لها تصور شامل لقضايا الدين كلها، سواء ما تعلق منها بالعقيدة أم بالشريعة في السياسة والحروب والأمن والعلاقات الفردية والعامة للمسلمين. وهذا ما تجلى في نتاج علمائها الفكري، إذ نجد فيه العقيدة ممزوجة بالفقه والسياسة مع التزكية والأخلاق وهو امتزاج ناشئ من مفهوم الدين عند الإباضية؛ وأنه قائم على ثلاثة أركان متكاملة، عقيدة وقول وعمل، لا يغني بعضها عن بعض، ولا يقوم بعضها مقام بعض (2).
وللإباضية مواقف في قضايا العقيدة مَيَّزَتها عن كثير من فرق المسلمين بَيْدَ القواسم المشتركة ظلت تمثل الجانب الأكبر من هذه القضايا، كما أن الجدل الذي قام بين المسلمين عبر تاريخهم الطويل قوّى من علاقات التأثر والتأثير بين مختلف المدارس والمذاهب. وينحصر بحثنا في جانب الاجتهاد أو استنباط الأحكام، والتعرف على معالم المنهج الذي اختطه الإباضية في مجال الفقه، وتحديد أصول فقههم، كيف أصلوها، وكيف بنوا عليها اجتهادهم؟. تلقى العلم عن جابر تلامذة عديدون حملوه في الصدور، ودونوه في
عبر
هذه
السطور، وأنقذوا بتأليفهم جزءا هاما من ديوانه الذي ضاع، ووصلنا الآثار معظم فقه جابر، بل إن كتب التفسير والفقه والحديث لعلماء المسلمين تطفح بآراء جابر بن زيد لشهرته بينهم فقيها ومحدثا ومفسرا. ونما التدوين الفقهي لدى الإباضية بعد جابر نموا مطردا توالى عبر القرون،
1) إشارة إلى مؤلفات علي يحي معمر وشعاره " المعرفة والاعتراف والتعارف" 2 ينظر أحد كتب العقيدة الإباضية مثل كتاب "مقدمة "التوحيد" لعمرو بن جميع، وشرح الشماخي لها، وشرح التلاتي، وغيرها.
70