منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٦٩

الفصل التمهيدي

كان الإِبَاضِيَّة يَدْعُون أنفسهم أهل الحق وأهل الاستقامة، وأهل الدعوة وجماعة المسلمين، ولم يُسمّوا أنفسهم بالإباضية. بل دعاهم بها غيرهم، ثم ارتضوا هذه التسمية أمرا، واقعا وظهرت في مؤلفاتهم أواخر القرن الثالث الهجري في مدوّنة عمروس بن فتح "الدينونة الصافية" (1).

واكتملت صورة هذه المدرسة، وتم تحرير مقولاتها وآرائها في صورتها النهائية مع أواخر أيام أبي عبيدة؛ الذي خلف جابرا على الإمامة العلمية بالبصرة. وعنه حمل طلبته الذين وفدوا عليه من المشرق والمغرب إلى بلدانهم التي أضحت فيما بعد مراكز لدول إباضية هامة كانت لها آثار سياسية بارزة في كل من جنوب الجزيرة العربية وشرقيها وفي شمال إفريقيا. وعرف هؤلاء التلاميذ في كتب السير الإباضيَّة بحملة العلم إلى المشرق، وحملة العلم إلى المغرب (2). و دامت تلك الدول مددا متفاوتة؛ عُمَرَ بعضُها طويلا، ودام بعضها قرونا هو حال الإمامة في عمان. وأنجبت علماء أسهموا بنتاج وفير في مختلف العلوم وبخاصة علوم الشريعة، وعلى رأسها علم الأصول.

كما

وبرغم وفرة الدراسات الحديثة عن الإباضية أكاديمية كانت أم غير ذلك (3) فإن الجهل بها لا زال هو الطابع الغالب على كثير من الدارسين والمختصين في

الدراسات الإسلامية، بله عامة المثقفين ومن بعدهم من سواد المسلمين. ولا يزال تصور معظم المسلمين لهذه الفئة غير واضح أو غير سليم، وهو تصور مطابق للصورة التي رسمها كتاب المقالات في القديم؛ وحفرت في الذاكرة الجماعية؛ وتوارثتها الأجيال عبر القرون، حتى أخذت حكم التواتر، وغدت قناعتها حقيقةً يقينية لا يعلوها النقد، ولا ينالها التمحيص. ولا يسع المجال هنا لدراسة هذه القضية أو البحث عن مسارها وأسبابها،

1) عمروس بن فتح، الدينونة الصافية، 83.

-

Ennami: studies p .5

فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية 56 عوض خليفات، في كتابيه: نشأة الحركة الإباضية، 81. و الأصول التاريخية للفرقة الإباضية 12.

2) ابن خلفون أجوبة ابن خلفون، مقدمة المحقق الدكتور عمرو النامي. 11/ 9. 3) وقد أنجزت بحوث جامعية كثيرة عن الإباضية، بعضها تناول الاباضية إجمالا وبعضها تناول قضية من فكرها أو تاريخها أو علما من اعلامها.

69