Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٧٢الفصل التمهيدي
المبحث الثاني: علم الأصول، التطور و الروافد.
-1 - تطور علم الأصول:
علم أصول الفقه علم إسلامي أصيل، نَبَتَ وأورق في تربة إسلامية، ونما وأثمر عوده في رحاب القرآن والسنة وعلوم اللغة العربية.
ولين وفد عليه في مرحلة لاحقة دخيل من المنطق ومباحث علم الكلام؛ فإن تلك العلوم ظلت إلى حد كبير علوما إسلامية برغم ما شابها من تأثر بفلسفة اليونان وتراث غير المسلمين. ويذكر ابن خلدون أن علم الأصول من الفنون المستحدثة في الملة، وكان السلف في غنية عنه، بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يُحتاج فيها إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية، وأما القوانين التي يحتاجون إلى النظر فيها لقرب العصر وممارسة النقلة وخبرتهم بهم. فلما انقرض السلف وذهب الصدر الأول وانقلبت العلوم كلها صناعة احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة، فكتبوه فنا قائما برأسه سموه أصول الفقه» (1).
وعلم الأصول كغيره من العلوم، بدأ وليدا ثم شب و اكتهل، ورعاه علماء مجتهدون، وضعوا له الأساس ثم أعلوا فوقه البناء. ولم تكن مصطلحات هذا العلم متعارفا عليها بين الصدر الأول في عهد الصحابة، فإنهم مارسوها في اجتهاداتهم تطبيقا ثم تلاهم عهد التدوين والتقعيد، وتمييز القواعد وضبطها وجمعها في منظومة متكاملة، وتم ذلك على يد الإمام الشافعي في رسالته الشهيرة.
إن الصحابة بشهودهم نزول الوحي وإدراكهم معاني الكتاب والسنة، وبسليقتهم العَرَبية الأصيلة، كانوا ذوي قدرة عالية على التعامل مع قواعد الأصول وضوابط الاجتهاد.
لقد آمن الصحابة بالكتاب والسنة حجة ومصدرا للأحكام، واستوعبوا الشريعة نظاما شاملا لكل مناحي الحياة، وأنه لا تند حادثة عن حكم الله، فسعوا لتطبيق ما ورد فيه نص واجتهدوا لمعرفة حكم ما لم يرد فيه نص أو
1) ابن خلدون المقدمة، 816/ 815.
72