Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٧٣الفصل التمهيدي
تعارضت فيه النصوص، فقدموا الخاص على العام والقطعي على الظنّي، واستعملوا القياس وعرفوا العلل واستلهموا مقاصد الشريعة وسعوا لتجسيد المصلحة المعتبرة فيما يطرأ عليهم من حوادث تستدعي البحث
والنظر، ونماذج هذه الاجتهادات وفيرة في تراث الصحابة الفقهي (1). ولكن المسار لم يسلم من عقبات إذ نشأ خلاف بين مدرسة الحديث بالحجاز ومدرسة الرأي بالعراق؛ لظروف تاريخية موضوعية أفرزت ذلك الخلاف، وقد وصل أحيانا درجة حادة من التوتر والجدل الساخن لفقدان قواعد مشتركة تحسم الخلاف، فأهل الحجاز استغنوا بمأثورهم من الأحاديث الوفيرة، وأهل العراق اضطروا لإعمال الرأي لقلة ما عندهم من الآثار، ولم تكن موازين الجرح والتعديل قد ضبطت بشكل واضح يومئذ، إضافة إلى ما أصاب المسلمين من انقسام وتحزب أفرز شكوكا في الرواة وعدم الاطمئنان إلى كل ما يروى عن رسول الله. وجاء الإمام الشافعي على موعد مع الأقدار ليحسم الخلاف فوضع
كتاب الرسالة.
لكن عمل الشافعي لم يكن إنشاء من عدم، فقد سبقته محاولات وإشارات إلى قواعد الأصول في بعض كتب الحَنَفِيّة، ومرّ المنهج بتطورات عديدة حتى بلغ إلى الإمام الشافعي فقام بتحليله وإعادة تنظيمه وعرضه في هيكل متناسق متكامل، فكانت الرسالة قانونا كلياً يرجع إليه في معرفة دلائل الشريعة ووجوه تعارضها وقواعد ترجيحها. كما ضمّن الرسالة مباحث هامة تتعلق بالبيان لم يكن الصدر الأول بحاجة إليها لسليقتهم العربية. وتوسع الشافعي في جميع المباحث الأصولية التي عرفت من قبل، وأكمل بعضها وأقام الفروع على الأصول. «لقد قنن الخليل سحر البيان الفاظا وأوزانا وقننه سيبويه إعرابا وتصريفا، وقننه الشافعي على مستوى علاقة المبنى بالمعنى»، في إطار النص الشرعي. ووضع حدا للاضطراب الذي كان في مجال التشريع (2).
1) العلواني أصول الفقه منهج معرفة، ص 171.
2 الجابري، الفقه والعقل، 21.
73