منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع

الجزء ١ · صفحة ١٥

1 - النقد الداخلي: إن من أهم أهداف تأليف ابن بركة لكتابه الجامع هو الاستدلال لآراء الإباضية، وبناء الفروع على الأصول، لذا فقد اهتم كثيرا بتحرير أقوال المذهب، والاحتجاج لها، وتمييز الصحيح من الشاذّ، والراجح من المرجوح(1). وقد مضى ذكر نحو من هذا في المبحث الثاني، وأضيف هنا مسألتين:

* حكم طلاق السكران: نقد ابن بركة تفريق علماء المذهب بين طلاق السكران وبين تصرفاته المالية؛ حيث حكموا بوقوع طلاقه وترتب آثاره عليه، بينما لم يصححوا عقوده المالية، فقال: «ولم أعلم ما وجه قول أصحابنا في تفريقهم بين طلاق السكران وغيره من النكاح والبيع والشراء، مع استواء حكم الظاهر في الجميع، مع قولهم إنَّ الطلاق لا يقع إلا بنيَّة، والسكران لا نيَّة له»(2). ثم بيَّن رأيه المختار وأقام عليه الأدلة.

* شهادة الأعمى: قال فقهاء المذهب بعدم قبولها إلا في النسب، وفيما كان متيقِّنا به قبل ذهاب بصره. ونقد ابن بركة هذا الرأي بقوله: «وكيف يجوز أن يحدِّث القاضي أعميان بحديث أو فقه فرفعاه إليه، وقبله القاضي منهما وجعله أصلا له يحكم به، فإذا شهد عنده بشهادة يجب بشهادتها(3) ذلك الحكم الذي حكم به بحديثهما لم يقبله»(4)، وفي هذا من الإلزام بالحجة ما لا يخفى.

2 - النقد الخارجي: لقد كان منهج الفقه المقارن من ركائز تأليف كتابه "الجامع"، مكَّنه من ذلك سعة اطِّلاعه على أقوال العلماء من لدن الصحابة والتابعين، وعلى نتاج المدارس الفقهية الأخرى؛ ولا يكاد يذكر خلافا فقهيا دون نقد أو مناقشة على أسس علمية ومعايير موضوعية. فمن الأمثلة على ذلك:

* اعتراضه على قول الشافعي في إسقاط الكفَّارة عن من تعمَّد الأكل في نهار رمضان، مع إيجابه الفدية على الحامل والمرضع إذا أفطرتا، ويبيِّن وجه اعتراضه بقوله: «إذا كان العاصي بالإفطار لا كفَّارة عليه، فمن أُمر بالإفطار ورخِّص له فيه أولى بأن لا كفَّارة عليه»(5).

* وفي مسألة اشتراط النية للوضوء اعترض على قول أبي حنيفة بعدم اشتراط النية للوضوء، واشتراط ذلك في التيمُّم وهو بدل منه، فقال: «والأولى لمن قال بالقياس أن لا يجيز الطهارة إلا بالنية؛ لأنَّ التيمم عنده بدل من الطهارة، وقد قامت الدلالة عنده أن هذا البدل لا يجوز إلا بقصد ونية، فالذي أبدل منه أولى أن لا يجوز إلا بنية»(6).

* كما اعترض عليه في مسألة تتعلق بطواف الزيارة؛ حيث ذهب إلى أنَّ من لم يتمَّ الطواف وقد طاف أكثر من ثلاث أنه لا يرجع؛ لأنه قد أتى بالأكثر. فردَّ ابن بركة هذا الرأي وبين تناقضه بقوله: «وذلك أن طواف الزيارة فرض ولا اختلاف فيه، كما أن صلاة الظهر فرض لا اختلاف فيها، والواجب على قياس قوله أن يكون إذا أتى بثلاث ركعات من الظهر فلا

(1) () … ينظر هذه المواضع: 1/ 242، 487، 535، 648. 2/ 1085. 3/ 1248، 1370. 4/ 1893، 2061.

(2) () … الجامع، 3/ 1345.

(3) () … كذا في الكتاب. ولعل الصواب هو التثنية: "فإذا شهدا عنده بشهادة يجب بشهادتهما .. ".

(4) () … الجامع، 3/ 1589 - 1590.

(5) () … الجامع، 2/ 1103. وينظر: الزيادات: 2/ 518 - 555.

(6) () … الجامع، 1/ 394.